محمد متولي الشعراوي
4377
تفسير الشعراوى
وقول موسى « أَنْتَ وَلِيُّنا » أي ناصرنا ، والأقرب إلينا . فإن ارتكب الإنسان منا ذنبا فأنت أولى به ، إنك وحدك القادر على أن تغفر ذنبه ؛ لذلك يقول موسى : « فَاغْفِرْ لَنا » ، ونعلم من هذا أنه يطلب درء المفسدة أولا لأن درءها مقدم على جلب المصلحة ، فقدم موسى عليه السلام طلب غفر الذنب ، ثم طلب ودعا ربّه أن يرحمهم ، وهذه جلب منفعة . وقد قال ربنا في مجال درء المفسدة : فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وهذا درء مفسدة وهو البعد عن النار : وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ . وهذا جلب منفعة ومصلحة . إذن فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة ، - وعلى سبيل المثال - إنك ترى تفاحة على الشجرة ، وتريد أن تمد يدك لتأخذها ، ثم التفت فوجدت شابّا يريد أن يقذفك بطوبة ، فماذا تصنع ؟ أنت في مثل هذه الحالة الانفعالية تدفع الطوبة أولا ثم تأخذ التفاحة من بعد ذلك . وهذا هو درء المفسدة المقدم على جلب المصلحة ، وهنا درء المفسدة متمثل في قول موسى : فَاغْفِرْ لَنا ثم قال بعد ذلك : وَارْحَمْنا وهذا جلب مصلحة ، والقرآن يقول : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ ( من الآية 82 سورة الإسرار ) لأن الداء يقع أولا ، وحين تذهب لمنهج القرآن يشفيك من هذا الداء ، والرحمتة ألّا يجئ لك داء بالمرة . فإذا أخذت القرآن لك نصيرا فلن يأتي لك الداء أبدا . فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ ( من الآية 155 سورة الأعراف ) ومثلها مثل قول الحق سبحانه : خَيْرُ الرَّازِقِينَ ، * و خَيْرُ الْماكِرِينَ ، * و خَيْرُ الْوارِثِينَ و خَيْرُ الْغافِرِينَ هنا ؛ لأن المغفرة قد تكون من الإنسان للإنسان ، ولكنا نعرف أن مغفرة الرب فوق مغفرة الخلق ؛ لأن الغافر من البشر قد يغفر رياء ، وقد يغفر سمعة ، قد يغفر لأنه خاف بطش المقابل . لكنه سبحانه لا يخاف من أحد ، وهو خير الغافرين من غير مقابل . ويقول الحق بعد ذلك :