محمد متولي الشعراوي

4376

تفسير الشعراوى

إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ ( من الآية 155 سورة الأعراف ) هذا القول يعنى : أنك يا رب قد جعلت الاختبار لأنك خلقتهم مختارين ؛ فيصح أن يطيعوا ويصح أن يعصوا . واللّه سبحانه هو من يضل ويهدى ؛ لأنه ما دام قد جعل الإنسان مختارا فقد جعل فيه القدرة على الضلال ، والقدرة على الهدى . وقد بيّن سبحانه من يشاء هدايته ، ومن يشاء إضلاله فقال : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( من الآية 86 سورة آل عمران ) والسبب في عدم هدايتهم هو ظلمهم ، وكذلك يقول الحق : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( من الآية 264 سورة البقرة ) وهكذا نرى أن الكفر منهم هو الذي يمنعهم من الهداية . إذن فقد جعل اللّه للعبد أن يختار الهداية أو أن يختار الضلال ، وما يفعله العبد ويختاره لا يفعله قهرا عن اللّه ؛ لأنه سبحانه لو لم يخلق كلا منا مختارا لما استطاع الإنسان أن يفعل غير مراد اللّه ، ولكنه خلق الإنسان مختارا ، وساعة ما تختار - أيها الإنسان - الهداية أو تختار الضلال فهذا ما منحه اللّه لك ، وسبحانه قد بيّن أن الذي يظلم ، والذي يفسق هو أهل لأن يعينه اللّه على ضلاله ، تماما كما يعين من يختار الهداية ؛ لأنه أهل أن يعينه اللّه على الهداية . ويقول الحق على لسان سيدنا موسى في نهاية هذه الآية : أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ ( من الآية 155 سورة الأعراف ) والولي هو الذي يليك ، ولا يليك إلا من قربته منك بودك له ، ولم تقربّه إلا لحيثية فيه تعجبك وتنفعك وتساعدك إذا اعتدى عليك أحد أو تأخذ من عمله لأنه عليم . إذن فالمعنى الأول لكلمة الولي أي القريب الذي قربته لأن فيه خصلة من الخصال التي قد تنفعك ، أو تنصرك ، أو تعلمك .