محمد متولي الشعراوي

4342

تفسير الشعراوى

يطيل الأنس بربه ، وكأنه عرف أنه من غير اللائق أن يكون الجواب مجرد كلمة ردا على سؤال . وللّه المثل الأعلى - نجد الإنسان منا حين يرى طفلا صغيرا فهو يداعبه ويطيل الكلام معه إيناسا له . وحين وجد موسى أن اللّه يكلمه استشرفت نفسه أن يراه : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ . لم يقل موسى : أرني ذاتك . بل قال : أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ كأنه يعلم أنه بطبيعة تكوينه يعرف أنه لا يمكن أن يرى اللّه ، لكن إن أراه اللّه ، فهذا أمر بمشيئة الحق . وقدم موسى الطلب معلقا بمشيئة اللّه وإرادته ؛ لأنه يعلم أنه غير معد لاستقبال رؤية اللّه ؛ لأن تكوينه لا يقوى على ذلك ، وحتى في الوحي والكلام لم يكلم ربنا الناس مباشرة ، بل لا بد أن يصطفى من الملائكة رسلا ، ثم تكون مرحلة ثانية أن يصطفى من البشر رسلا ، ويبلغ الرسل الناس كلام اللّه ؛ لأن الصفات الكمالية العليا الخالقة لا يمكن أن يستوعبها المخلوق . ضربنا المثل من قبل - وللّه المثل الأعلى - بصناعات البشر ، وأن الإنسان حين ينام ليلا ، قد يستيقظ لأي شئ ، فإذا كانت الدنيا ظلاما قد يحطم الأشياء التي هي أقل منه أو تحطمه الأشياء التي هي أكثر صلابة منه ؛ وإن اصطدم بشئ صغير فقد يكسره ، وإن اصطدم بدولاب أو حائط فقد ينكسر الإنسان . ولذلك ترك الإنسان في البيت شيئا من النور الضئيل ؛ ليستفيد من سكون الليل وظلمته ، فيضع ما نسميه « الوناسة » قوة شمعتين أو خمس شمعات ، ولا يقدر أن يركبها على قوة التيار الموجود في المنزل ؛ لأنها تفسد فورا ، لذلك يأتي لها بمحول يأخذ من القوى ويعطى الضعيف . إذن إذا كانت صناعة البشر نجد فيها الضعيف الذي لا يأخذ من القوى إلا بواسطة ، فمن باب أولى أنه لا يمكن أن يتلقى خلق اللّه عن اللّه إلا بواسطة . وكانت الواسطة من البشر اصطفاء ومن الملائكة اصطفاء ، فليس كل ذلك صالحا لهذه المسألة ، فمصطفى من الملائكة يعطى مصطفى من البشر . وبعد ذلك يعطى المصطفى من البشر للبشر . كذلك الرؤية وسيظهر ذلك لنا حينما يعطى اللّه الدليل على أنه خلقكم لا على هيئة أن تروه الآن ، ولكن حين