محمد متولي الشعراوي

4308

تفسير الشعراوى

الحق يا أمير المؤمنين في قوله : عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ( من الآية 129 سورة الأعراف ) وقد قال موسى لقومه هذا القول بعد أن عايروه بعدم قدرته على رد العذاب عنهم . وهكذا استقبل قوم موسى أول هزيمة لفرعون أمام موسى ، وقالوا له : أوذينا من قبل أن تأتينا ، ومن بعد ما جئتنا ، أي بالتذبيح ، واستحياء النساء ، وقتل الأبناء ، فكأن مجيئك لم يفدنا شيئا لأننا مقيمون على العذاب الذي كنا نسامه . فلا حاجة لنا بك ، ولا ضرورة في أن تكون موجودا ؛ بدليل أن الذي حدث بعدك هو الذي حدث قبلك . ولم يلتفتوا إلى أن الإيذاء من قبل ومن بعد لا ينشأ إلا من عدو ، فكأن موسى يرد عليهم بأن أسباب الإيذاء ستنتهى ، وأن اللّه سيهلك عدوكم الذي آذاكم من قبل ويؤذيكم من بعد . ولن يقتصر الأمر على هذه النعمة ؛ بل يزيدكم بأن يستخلفكم في الأرض ، ويعطيكم ملكهم ويعطيكم أرضهم . وكأن هنا أمرين : الأمر الأول سلبى : وهو إهلاك العدو ، والأمر الثاني إيجابي : وهو استخلافكم في الأرض وهذا أمر لكم ، ووعد من اللّه بأن تكون لكم السيادة والملك وعليكم أن تتنبهوا إلى أن نعمة اللّه عليكم بإهلاك عدوكم ، وباستخلافكم في الأرض لن تترك هكذا ، بل أنا رقيب عليكم أنظر ماذا تفعلون ، هل تستقبلون هذه النعم بالشكر وزيادة الإيمان واليقين والارتباط باللّه ، أو تكفرون بهذه النعمة ؟ وحين يقول الحق سبحانه وتعالى على لسان موسى عَسى فهي كلمة - كما يقول علماء اللغة - تدل على الرجاء ، ومعنى الرجاء أن ما بعدها يكون مرجو الحصول . وهناك فرق بين التمني وبين الرجاء . فالتمنى أن تتطلب أمرا مستحيلا أو يكون في الحصول عليه عسر ، ولكنك تريد - فقط - بالتمنى إشعار حبك له ، فأنت إذا قلت : ليت الشباب يعود ، فهذا أمر لا يكون ، ولكنك تعلن حبك لمرحلة الشباب . وقصارى ما يعطيه أن يعلمنا أنك تحب هذا المتمنّى . لكن هل يتحقق أو لا يتحقق . . فهذه ليست واردة .