محمد متولي الشعراوي
4309
تفسير الشعراوى
لكن « الرجاء » شئ محبوب يوشك أن يقع ، وهكذا نعرف أن الرجاء أقوى من التمني . وأداة التمني « ليت » ، وأداة الرجاء « عسى » . وحين يكون بعد « عسى » ما يرجى فلذلك مراحل تتفاوت بقوة أسباب الرجاء في الوقوع . فأنا مثلا إذا قلت : عسى أن أكرمك فهذا أمر يعود إلىّ أنا ، لأنّ إكرامي لك يقتضى بقائى ، وعدم تغير نفسي من ناحيتك ، فمن الجائز أن تتغير نفسي قبل أن أكرمك ولا يقع إكرامي لك . هذا هو الرجاء من صاحب الأغيار ، وما دمت صاحب أغيار فقد لا أقدر على الإكرام ، أو أقدر ولكني لم أعد أحب هذا الأمر فقد انصرفت نفسي عنه ، وهذا يفسد الرجاء ويقلل الأمل في حصوله . فإذا قلت لإنسان : عسى أن يكرمك فلان وهو مساويه ، فهذا أمر مستبعد قليلا ؛ لأن من يقول ذلك لا يملك أن يقوم فلان بإكرام المساوى له ، لأنه صاحب أغيار . لكن إذا قلت : عسى اللّه أن يكرمك فهذه أقوى ، لأن ربنا لا يعجزه شئ عن إكرام إنسان . وهل يقبل اللّه أن يجيب رجاءك ؟ هذه مسألة تحتاج إلى وقفة ، فسبحانه من ناحية القوة له مطلق القدرة فلا شئ يعطله أو يستعصى أو يتأبى عليه . فإذا ما قال الحق عن نفسه : عَسى رَبُّكُمْ فقد انتهت المسألة وتقرر الوعد وتحقق ، وهذا ما يقال عنه رجاء محقق . إذن مراحل الرجاء هي : عسى أن أكرمك ، وعسى أن يكرمك زيد ، وعسى اللّه أن يكرمك ، وأقوى ألوان الرجاء أن يعد الحق بالإكرام أو بالرحمة . عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ( من الآية 129 سورة الأعراف ) والكلام كما نراه هو من موسى ، ولا يقدر على هذه المسألة إلا اللّه ، فما موقع هذا من تحقيق الرجاء ؟ . نعلم أن موسى رسول أرسله اللّه لهداية الخلق ، وأرسله مؤيدا بالمعجزة ، فإذا كان الرسول المؤيد بالمعجزة قد أمره اللّه أن يبلغهم ذلك ، فيكون الرجاء منه مقبولا : عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ . ومرة تكون إزالة الشئ الضار نعمة بمفردها ، أما أن يهلك اللّه عدوى ويعطيني الحق مكانة عدوى العالية فهذه نعمة إيجاب ، تكون بعد نعمة سلب . ومثل هذا ما سوف يحدث يوم القيامة ؛ لأن الحق يقول :