محمد متولي الشعراوي

4291

تفسير الشعراوى

عليه الحكم . ولا بد أن يكون قوى الحجة . هم يريدون أن يكونوا هم المعقبين ، وأن موسى الذي يبدأ ، لكن عزتهم تفرض عليهم أن يبدأوا هم أولا ؛ لذلك جاءوا بالعبارة التي تحمل المعنيين : إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ( من الآية 115 سورة الأعراف ) فعلم موسى أنهم حريصون ، على أن يبدأوا هم بالإلقاء فأتوا بكلمة ( نحن ) . وفكر موسى أن من صالحه أن يلقوا هم أولا ؛ لأن عصاه ستلقف وتبتلع ما يلقون ؛ لذلك يأتي قوله سبحانه : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 116 ] قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ( 116 ) هم - إذن - سحروا أعين الناس ، والسحر - كما نعلم - لطف حيلة يأتي بأعجوبة تشبه المعجزة . وكأنها تخرق القانون ، وهو غير الحيلة التي يقوم بها الحواة ؛ لأن الحواة يقومون بخفة حركة ، وخفة يد ، ليعموا الأمر على الناس . لكن « السحر » شئ آخر ، ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى خلق كل جنس بقانون ؛ خلق الإنس بقانون ، وخلق الجن بقانون ، وخلق الملائكة بقانونها : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ( من الآية 31 سورة المدثر ) وكل قانون له خصائصه ومميزاته التي تناسب عنصر تكوينه ، فالإنسان - مثلا - لأنه مخلوق من الطين له من الكثافة ما يمنعه من التسلل من خلال جدار ؛ لأنك لو كنت تجلس وهناك تفاحة وراء الجدار الذي تجلس بجواره فلن يتعدى ريحها ولا طعمها إلى فمك ؛ لأن الجدار يحول بينك وبين ذلك ، لكن لو كانت هناك جذوة من نار بجانب الجدار الذي تستند عليه لكان من الممكن أن يتعدى أثرها