محمد متولي الشعراوي

4292

تفسير الشعراوى

لك ؛ لأن للنار إشعاعات تنفذ من الأشياء ، ولأن الجن مخلوق من نار ، لذلك نجد له هذه الخاصية . إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ( من الآية 27 سورة الأعراف ) فإذا كان الجن له قانون والإنس له قانون ، فهل القانون هو الذي يسيطر ؟ لا ، بل رب القانون هو الذي يسيطر لأنه جل وعلا فوق القانون . فيأتي اللّه للإنس ويعلّم واحدا منهم بعضا من أسرار كونه ليستذل الجن لخدمته ، برغم ما للجن من خفة حركة ، فسبحانه يوضح : لا تظن أيها الجن أنك قد أخذت خصوصيتك من العنصر الذي يكونك لأن هناك القادر الأعلى وهو المعنصر لك ولغيرك ، بدليل أن الإنسان وهو من عنصر آخر يتحكم فيك بعد أن علمه اللّه بعضا من اسرار كونه . ولننتبه دائما أن العلم بأسرار تسخير الجن هو من ابتلاءات الحق للخلق ؛ لأنه سبحانه وتعالى يقول : وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ( من الآية 102 سورة البقرة ) فكأن هاروت وماروت وهما يعلّمان الإنسان كيف يمارس السحر ، ينصحان الإنسان الذي يرغب في أن يتعلم السحر أولا ، ويوضحان له أنهما فتنة أي ابتلاء واختبار ويقولان له : فَلا تَكْفُرْ ، مما يدل على أن كل من يتعلم السحر ؛ إن قال لك : إني سأستعمله في الخير فهو كاذب ؛ لأنه يقول ذلك ساعة صفاء نفسه تجاه الخلق ، لكن ماذا إن غافله إنسان من أي ناحية وغلبه على بعض أمره وهو يملك بعضا من أسرار السحر ؟ هل يقدر على نفسه ؟ لقد قال إنه أمين وقت التحمل ، لكن هل يظل أمينا وقت الأداء ؟ إن من يتعلم السحر قد يستخدمه في الانتقام من غيره ، وبذلك يضيع تكافؤ الفرص ، ونعلم أن تكافؤ الفرص هو الذي يحمى الناس ، ويعطى بعضهم الأمن من بعض ، ويلزم كل إنسان حدّه . فإذا أخذ إنسان سلاحا ليس عند غيره فقد يستخدمه ضد من لا يملك مثله ، والإنسى الذي يأخذ سلاح استخدام الجن إنما يأخذ سلاحا لا يملكه أخوه