محمد متولي الشعراوي

4264

تفسير الشعراوى

ونلحظ أن الحق لم يقل أن لو نشاء أصبناهم لذنوبهم وذلك رحمة منه ، بل جعل العقاب بالذنوب التي يختارونها هم ، وكذلك جعل الطبع على القلوب نتيجة للاختيار . وسبق أن تكلمنا في أول سورة البقرة . عن كلمة « الطبع » ؛ وهو الختم : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ( من الآية 7 سورة البقرة ) لأن القلوب وعاء اليقين الإيمانى ؛ فحين يملأ إنسان وعاء اليقين بالكفر ، فهذا يعنى أنه عشق الكفر وجعله عقيدة عنده ؛ لذلك يساعده اللّه على مراده ، وكأنه يقول له : أنا سأكون على مرادك ، ولذلك أطبع على قلبك فلا يخرج ما فيه من الكفر ، ولا يدخل فيه ما خرج منه من الإيمان الفطري الذي خلق اللّه الناس عليه . لأنك أنت قد سبّقت ووضعت في قلبك قضية يقينية على غير إيمان ؛ لأن أصول الإيمان أن تخرج ما في قلبك من أي اعتقاد ، ثم تستقبل الإيمان باللّه ، ولكنك تستقبل الكفر وترجحه على الإيمان . إن اللّه سبحانه لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه : قلب يؤمن ، وقلب لا يؤمن ، بل جعل للإنسان قلبا واحدا ، والقلب الواحد حيز ، والحيز - كما قلنا - لا تداخل للمحيّز فيه ؛ فحين نأتى بزجاجة فارغة ونقول : إنها « فارغة » فالذي يدل على كذب هذه الكلمة أننا حين نضع فيها المياه تخرج منها فقاقيع الهواء ، وخروج فقاقيع الهواء هو الذي يسمح بدخول المياه فيها ؛ لأن الزجاجة ليست فارغة ، بل يخيل لنا ذلك ؛ لأن الهواء غير مرئى لنا . ولو كانت الزجاجة مفرغة من الهواء دون إعداد دقيق في صناعتها لتلك المهمة لكان من الحتمي أن تنكسر . والقلب كذلك له حيز إن دخل فيه الإيمان باللّه لا يسع الكفر ، وإن دخل فيه الكفر - والعياذ باللّه لا يسع الإيمان ، والعاقل هو من يطرح القضيتين خارج القلب ، ثم يدرس هذه ويدرس تلك ، وما يراه مفيدا لحياته ولآخرته يسمح له بالدخول . أما أن تناقش قضية الإيمان بيقين قلبي بالكفر فهذه عملية لا تؤدى إلى نتيجة . أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ