محمد متولي الشعراوي

4260

تفسير الشعراوى

« آمن » ؛ أي لا يوجد ما يكدر حياته . والحق يقول : أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ونحن نسمع بعض الكلمات حين ينسبها اللّه لنفسه نستعظمها ، ونقول : وهل يمكر ربنا ؟ لأننا ننظر إلى المكر كعملية لا تليق . . وهنا نقول : انتبه إلى أن القرآن قد قال وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ( من الآية 43 سورة فاطر ) إذن ففيه مكر خير ، ولذلك قال الحق : وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ( من الآية 54 سورة آل عمران ) والمكر أصله الالتفاف . وحين نذهب إلى حديقة أو غابة نجد الشجر ملتف الأغصان وكأنه مجدول بحيث لا تستطيع أن تنسب ورقة في أعلى إلى غصن معين ؛ لأن الأغصان ملفوفة بعضها على بعض ، وكذلك نرى هذا الالتفاف في النباتات المتسلقة ونجد أغصانها مجدولة كالحبل . إذن فالمكر مؤداه أن تلف المسائل ، فلا تجعلها واضحة . ولكي تتمكن من خصمك فأنت تبيت له أمرا لا يفطن إليه ، وإذا كان الإنسان من البشر حين يبيت لأخيه شرّا ، ويفتنه فتنا يعمى عليه وجه الحق وليس عند الإنسان العلم الواسع القوى الذي يمكر به على كل من أمامه من خصوم لأنهم سيمكرون له أيضا . وإذا كان هناك مكر وتبييت لا يكتشفه أحد فهو مكر وتبييت اللّه لأهل الشر ، وهذا هو مكر الخير ؛ لأن اللّه يحمى الوجود من الشر وأهله بإهلاكهم . أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ( 99 ) ( سورة الأعراف ) وهناك من يسأل : هل أمن الأنبياء مكر اللّه ؟ نقول نعم . لقد أمنوا مكر اللّه باصطفائهم للرسالة ، وهناك من يسأل : كيف إذن لا يأمن مكر اللّه إلا القوم الخاسرون ؟ !