محمد متولي الشعراوي

4257

تفسير الشعراوى

وما معنى البركة ؟ . البركة هي أن يعطى الموجود فوق ما يتطلبه حجمه ؛ كواحد مرتبه خمسون جنيها ونجده يعيش هو وأولاده في رضا وسعادة ، ودون ضيق ، فنتساءل : كيف يعيش ؟ ويجيبك : إنها البركة . وللبركة تفسير كونى لأن الناس دائما - كما قلنا سابقا - ينظرون في وارداتهم إلى رزق الإيجاب ، ويغفلون رزق السلب . رزق الإيجاب أن يجعل سبحانه دخلك آلاف الجنيهات ولكنك قد تحتاج إلى أضعافهم ، ورزق السلب يجعل دخلك مائة جنيه ويسلب عنك مصارف كثيرة ، كأن يمنحك العافية فلا تحتاج إلى أجر طبيب أو نفقة علاج . إذن فقوله : بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي أن يعطى الحق سبحانه وتعالى من القليل الكثير في الرزق الحلال ، ويمحق الكثير الذي جاء من الحرام كالربا ، ولذلك سمى المال الذي نخرجه عن المال الزائد عن الحاجة سماه زكاة مع أن الزكاة في ظاهرها نقص ، فحين تملك مائة جنيه وتخرج منها جنيهين ونصف الجنيه يكون قد نقص مالك في الظاهر . وإن أقرضت أحدا بالربا مائة جنيه فأنت تأخذها منه مائة وعشرة ، لكن الحق سمى النقص في الأولى نماء وزكاة ، وسمى الزيادة في الثانية محقا وسحتا ، وسبحانه قابض باسط . وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 96 ) ( سورة الأعراف ) إذن فلو أخذ الإنسان قانون صيانته من خالقه لاستقامت له كل الأمور ، لكن الإنسان قد لا يفعل ذلك . ويقول الحق : وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ . وهكذا نعلم أن الأخذ ليس عملية جبروت من الخالق ، وإنما هي عدالة منه سبحانه ؛ لأن الحق لو لم يؤاخذ المفسدين ، فماذا يقول غير المفسدين ؟ . سيقول الواحد منهم : ما دمنا قد استوينا والمفسدين ، وحالة المفسدين تسير على ما يرام ، إذن فلأفسد أنا أيضا . وذلك يغرى غير المفسد بأن يفسد ، ويعطى لنفسه راحتها وشهواتها ، لكن حين يأخذ اللّه المفسدين بما كانوا يكسبون ، يعلم غير المفسد أن سوء المصير للمفسد واضح ، فيحفظ نفسه من الزلل .