محمد متولي الشعراوي

4238

تفسير الشعراوى

وإذا جئت إلى قوله تعالى : وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ، فأنت مأمور ألا تبخس الناس أشياءهم ، وكل الناس مأمورون ألا يبخسوك شيئا ، وإذا أفسدت في الأرض بعد إصلاحها فالناس مأمورون أيضا ألا يفسدوا هذه الأرض وبذلك تكون احظ منهم في كل شئ . ولذلك يجب على كل مكلف حين يستقبل تكليفا قد يكون شاقا على نفسه أن يتأمل هذا التكليف وأن يقول لنفسه : إياك أن تنظر إلى مشقة التكليف على نفسك ، ولكن انظر إلى ما يؤديه لنفسه : إياك أن تنظر إلى التكليف لك : لا تنظر إلى محارم غيرك ، فقد أمر غيرك ألا ينظر محارمك ، وفي هذا عزة لك . وإذا أمرك التكليف ألا تضع يدك في جيب غيرك وتسرق ، فقد أمر كل الناس ألا يضعوا أيديهم في جيوبك ليسرقوك ، وبهذا نعيش في أمان . وإذا طلب التكليف منك وأنت غنى أن تخرج زكاة مالك إياك أن تقول : مالي وتعبى وعرقى ؛ لأن المال مال اللّه ، وأنت كإنسان مخلوق ليس لك إلا توجيه الحركة ، والحركة تكون بطاقة مخلوقة للّه ، والعقل الذي خطط مخلوق للّه ، والانفعال الذي انفعل لك في الأرض من خلق اللّه ، ولكن الحق احترم عملك وناتجه وفرض عليك أن تخرج منه زكاة مقدرة . فإياك أن تقول : إنه يأخذ منى . لماذا ؟ لأن عالم الأغيار باد وظاهر أمامك ، وكم رأيت من قوى ضعف ، ومن غنى افتقر ، فإذا كان سبحانه قد طلب منك أن تعطى الفقير وتقويه ، فإن افتقرت فسيفعل لك ذلك ، وفي ذلك تأمين حياتك ؛ لأنك تعيش في مجتمع فلا تأس على نفسك إن مرت بك الأغيار لأن مجتمعك الإيمانى لن يتركك ، أنت أو أولادك ، ويقول الحق : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً ( 9 ) [ سورة النساء ] فإن أردت أن تطمئن على أولادك الصغار بعد موتك فانظر للأيتام في مجتمعك وكن أبا لهم ، وحين تصير أنت أبا لهم ، وهذا أب لهم ، وذلك أب لهم ، سيشعر اليتيم أنه فقد أبا واحدا ، لكنه يحيا في مجتمع إيماني أوجد له من كل المؤمنين