محمد متولي الشعراوي

4237

تفسير الشعراوى

وكذلك ليخافوا من جبروته سبحانه . وبعد ذلك ضرورة يكون الأمر بالوفاء بالكيل والميزان ، والزجر عن أن يبخسوا الناس أشياءهم ، ثم النهى والتحذير من الإفساد في الأرض وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ، والإصلاح الذي يطلبه اللّه منا أن نستديمه أو نرقيه إنما يتأتى بإيجاد مقومات الحياة على وجه جميل . مثال ذلك الهواء وهو العنصر الأول في الحياة المسخرة لك ؛ يصرّفه سبحانه حتى لا يفسد . والنعيم الثاني في الحياة وهو الشراب ؛ إنه سبحانه ينزل لك الماء من السماء ، ثم القوت الذي يخرجه لك من الأرض . والمواشي التي تأخذ منها اللبن ، والأوبار ، والأصواف ، والجلود ، كل ذلك سخره اللّه لك ، وهذا إصلاح في الأرض ، لكن هل هذه كل المقومات الأساسية ؟ لا ؛ لأنه إن وجدت كل هذه المقومات الأساسية ثم وجد الغصب ، والسرقة ، والرشوة ، والاختلاس ، فسيفسد كل شئ ، ولا يعدل كل ذلك ويقيمه ويجعله سويا إلا الدين ؛ لأنه كمنهج يمنع الإفساد في الأرض . قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ( من الآية 85 سورة الأعراف ) إذن فهذه الأشياء التي هي إيفاء الكيل والميزان يأتي الأمر بها ، ثم يتبعها بما ينهى عنه وهو ألا نبخس الناس أشياءهم وألا نفسد في الأرض بعد إصلاحها ، كل ذلك يجمع المنهج . أوامر ونواهى ، وقد يبدو في ظاهر الأمر أنها مسائل تقيد حرية الإنسان ، فنقول : لا تنظر إلى نفسك أيها الإنسان وأنت بمعزل عن المجتمع الواسع ، فأنت لا تملك من مصالحك إلا أمرا واحدا ، وهذا الأمر الذي تملكه أنت من مصالحك يكون أقل الأشياء عندك ، ولكن الأمور الأخرى التي تحتاج إليها هي بيد غيرك ، فإن أنت وفيت الكيل والميزان . فذلك خير لك ؛ فالذي يقيس لك القماش لا يغشك ، والذي يزن لك ما ليس عندك لا يغشك ، والذي يكيل لك الذي ليس عندك لا يغشك ، إذن فأنت واحد منهى عن أن تفعل ذلك ، وجميع الناس منهيون أن يفعلوا ذلك معك ، وبذلك تكون أنت الكاسب .