محمد متولي الشعراوي

4236

تفسير الشعراوى

لأن كل المعاصي والكفر تدفع إلى الإخلال في الكيل والميزان ، وإذا كان شعيب قد قال ذلك لقومه فلابد أن الإخلال في الكيل والميزان كان هو الأمر الشائع فيهم . فيأتي ليعالج الأمر الشائع . وهم كانوا يبخسون الكيل والميزان . ويظن الناس في ظاهر الأمر أنها عملية سهلة ، وأن القبح فيها قليل ، والاختلاس فيها هين يسير ، فحين يبخس في الميزان ولو بجزء قليل ، إنما يأخذ لنفسه في آخر الأمر جزءا كبيرا . وأنت ساعة تكيل وتزن وتطفف فأنت تفعل ذلك في من يشترى . وستذهب أنت بعد ذلك لتشترى من أناس كثيرين سيفعلون مثلما فعلت ، فإذا ما وفيت الكيل والميزان ، فأنت تفعل ما هو في مصلحتك ، لأنك تنشر العدل السلوكى بين الناس بادئا بنفسك ، ومصالحك كلها مع الآخرين . إنك حين تبيع أي سلعة ولو كانت بلحا وتنقص في الميزان ، ستحقق لنفسك ربحا ليس لك فيه حق ، وإن كنت تكيل قمحا لتبيعه وأنقصت الكيل ، فأنت تأخذ ما ليس لك ، والقمح والبلح هما بعض من مقومات حياتك ؛ لأنك تحتاج إلى سلع كثيرة عند من يزن ، وعند من يكيل ، فإن أنقصت الميزان أو الكيل فلسوف يفعلون مثلما فعلت فيما يملكون لك ، وبذلك تخسر أنت ويصبح الخسران عاما . فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ . . ( 85 ) [ سورة الأعراف ] وإذا كانت الخسارة في الكيل والميزان طفيفة ومحتملة ، فمن باب أولى ألا نبخس الناس أشياءهم فلا نظلمهم بأخذ أموالهم والاستيلاء على حقوقهم ، فلا نسرف لأن السارق يأخذ ما تصل إليه يده ، ولا نغضب ، ولا نختلس ، ولا نرتشى ، لأنه إذا كان وفاء الكيل هو أول مطلوب اللّه منكم مع أن الخسارة فيه طفيفة ، إذن فبخس الناس أشياءهم يكون من باب أولى . ويتابع سبحانه : وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها . . ( 85 ) [ سورة الأعراف ] وبذلك نكون أمام أكثر من أمر جاء بها نبي اللّه شعيب : اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وهذه العبادة لتربى فيهم مهابة وتزيدهم حبا واحترام للآمر الأعلى ،