محمد متولي الشعراوي

4167

تفسير الشعراوى

في كل منها جزءا من خميرة الزبادى ، ويضع تلك الأكواب في الجو المناسب . فهل يؤدى هذا الرجل عملا لمدة أثنتى عشرة ساعة في كل كوب ، وهي المدة اللازمة لتخمر الكوب ؟ . . طبعالا ، فقد اكتفى بأن في كل كوب عناصر التخمر لتتفاعل بذاتها إلى أن تنضج . ولنظر إلى خلق الجنين من تزاوج بويضة وحيوان منوى . ويأخذ الأمر تسعة شهور وسبحانه جل جلاله لا يعمل في خلق الجنين تسعة شهور ، لكنه يترك الأمر ليأخذ مراحل تفاعلاته . إذن فخلق اللّه السماوات والأرض في ستة أيام لا يعنى أن الستة أيام كلها كانت مشغولة بالخلق ، بل قال سبحانه : « كن » وبعد ذلك ترك مكونات السماوات والأرض لتأخذ قدرها ومراحلها ؛ لأن ميلادها سيكون بعد ستة أيام . وفي القرآن آية من الآيات أعطتنا لمحة عن هذه المسألة ، فقال سبحانه : وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ ( 38 ) [ ق ] أي خلق سبحانه السماوات والأرض دون تعب ؛ لأنه لا يعالج مسألة الخلق ، بل إنما يحدث ذلك بأمر « كن » فكانت السماوات والأرض . والآية التي بعدها فورا تقول : ( فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ) . وكأن قوله سبحانه هنا جاء لتسلية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم موضحا له : إنهم يكذبونك وقد ترغب في أن نأخذهم أخذ عزيز مقتدر . لكن الحق جعل لكل مسألة كتابا ، فهو قد خلق السماء والأرض في ستة أيام . ونحن في حياتنا نقول لمن يتعجل أمرا : يا سيدي إن ربنا خلق السماء والأرض في ستة أيام . فلا تتعجل الأمور . إذن كان ربنا هو القادر على أن ينجز خلق السماء والأرض في لحظة ، لكنه أمر « بكن » وترك المواد تتفاعل لستة أيام . ولماذا لا نقول : جاء بكل ذلك ليعلمنا التأنى ، وألا نتعجل الأشياء ؟ لأنه وهو القادر على إبراز السماوات والأرض في لحظة ، خلقها في ستة أيام ، لذلك قال سبحانه :