محمد متولي الشعراوي

4101

تفسير الشعراوى

وذلك من أدب النبوة . إذن فالشيطان يتمثل وأنت لا تراه على حقيقته ، فإذا ما أرادك أن تراه . . فهو يظهر على صورة مادية . وقد ناقش العلماء هذا الأمر نقاشا يدل على حرصهم على فهم كتاب اللّه ، ويدل على حرصهم على تجلية مراداته وأسراره ، فقال بعضهم : حين يقول اللّه إن الشيطان يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ، لا بد أن نقول : إننا لن نراه . وأقول : إن الإنسان إن رأى الجنى فلن يراه على صورته ، بل على صورة مادية يتشكل بها ، وهذه الصورة تتسق وتتفق مع بشرية الإنسان ؛ لأن الجنى لو تصور بصورة مادية كإنسان أو حيوان أو شئ آخر يمكن أن يراه الإنسان ، وحينئذ لفقدنا الوثوق بشخص من نراه ، هل هو الشئ الذي نعرفه أو هو شيطان قد تمثل به ؟ إن الوثوق من معرفة الأشخاص أمر ضروري لحركة الحياة ، وحركة المجتمع ؛ لأنك لا تعطف على ابنك الا لأنك تعلم أنه ابنك ومحسوب عليك ، ولا تثق في صديقك الا إذا عرفت أنه صديقك . ولا تأخذ علما إلا من عالم تثق به . وهب أن الشيطان يتمثل بصورة شخص تعرفه ، وهنا سيشكك هذا الشيطان ويمنع عنك الوثوق بالشخص الذي يتمثل في صورته . وأيضا أعدى أعداء الشيطان هم الذين يبصرون بمنهج اللّه وهم العلماء ، فما الذي يمنع أن يتشكل الشيطان بصورة عالم موثوق في علمه ، ثم يقول كلاما مناقضا لمنهج اللّه ؟ . إذن فالشيطان لا يتمثل ، هكذا قال بعض العلماء ، ونقول لهم : أنتم فهمتم أن الشيطان حين يتمثل ، يتمثل تمثلا استمراريا ، لا . هو يتمثل تمثل الومضة ؛ لأن الشيطان يعلم أنه لو تشكل بصورة إنسان أو بصورة مادية لحكمته الصورة التي انتقل إليها ، وإذا حكمته الصورة التي انتقل إليها فقد يقتله من يملك سلاحا ، انه يخاف منا أكثر مما نخاف منه ، ويخاف أن يظهر ظهورا استمراريا ؛ لذلك يختار التمثل كومضة ، ثم يختفى ، والإنسان إذا تأمل الجنى المشكل . سيجد فيه شيئا مخالفا ، كأن يتمثل - مثلا - في هيئة رجل له ساق عنزة لتلتفت إليه كومضة ويختفى ؛ لأنه يخاف أن تكون قد عرفت أن الصورة التي يتشكل بها تحكمه . وإذا عرفت ذلك أمكنك أن تصرعه .