محمد متولي الشعراوي

4065

تفسير الشعراوى

والهبوط يستدعى الانتقال من منزلة عالية إلى منزلة أقل ، وهذا ما جعل العلماء يقولون إن الجنة التي وصفها اللّه بأنها عالية هي في السماء ، ونقول : لا ، فالهبوط لا يستدعى أن يكون هبوطا مكانيا ، بل قد يكون هبوط مكانة ، وهناك فرق بين هبوط المكان ، وهبوط المكانة ، وقد قال الحق لنوح عليه السّلام : قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ . . ( 48 ) [ سورة هود ] أي اهبط من السفينة ، إذن مادة الهبوط لا تفيد النزول من مكان أعلى إلى مكان أدنى ، إنما نقول من مكان أو من مكانة . قالَ فَاهْبِطْ مِنْها . وهذا تنزيل من المكانة لأنه لم يعد أهلا لأن يكون في محضر الملائكة ؛ فقد كان في محضر الملائكة ؛ لأنه الزم نفسه بالطاعة ، وهو مخلوق على أن يكون مختارا أن يطيع أو أن يعصى ، فلما تخلت عنه هذه الصفة لم يعد أهلا لأن يكون في هذا المقام ، وذلك أن الملائكة لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ . . ( 13 ) [ سورة الأعراف ] أي ما ينبغي لك أن تتكبر فيها . إن امتناعك عن أمر من المعبود وقد وجهه لك وأنت العابد هو لون من الكبرياء على الآمر ، والملائكة جماعة لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، فمادمت أنت أهل استكبار واستعلاء على هذه المكانة فلست أهلا لها ، فكأن العمل هو الذي أهله أن يكون في العلو ، فلما زايله وفارقه كان أهلا لأن يكون في الدنو ، وهكذا لم يكن الأمر متعلقا بالذاتية ، وفي هذا هبوط لقيمة كلامه في أنه من نار وآدم من طين ؛ لأن المقياس الذي توزن به الأمور هو مقياس أداء العمل ، ومن حكمة الحق