محمد متولي الشعراوي

4066

تفسير الشعراوى

أن الجن يأخذ صورة القدرة على أشياء لا يقدر عليها الإنس ، مثل السرعة ، واختراق الحواجز ، والتغلب على بعض الأسباب ، فقد ينفذ الجن من الجدار أو من الجسم ، وكما قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم » « 1 » . وهو ذلك مثل الميكروب ، لأن هذه طبيعة النار ، وهي المادة التي خلق منها . وهي تتعدى الحواجز . والجن قد بلغ من اللطف والشفافية أنه يقدر على أن ينفذ من أي شئ ، لكن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يوضح للجن : لا تعتقد أن عنصريتك هي التي أعطتك هذا التميز ، وإنما هي إرادة المعنصر ، بدليل أنه جعلك أدنى من مكانة الإنسان ، إنه - سبحانه - يجعل إنسيا مثل سيدنا سليمان مخدوما لك أيها الجنى ، إنه يسخرك ويجعلك تخدمه . وأنه في مجلس سليمان ، جعل الذي عنده علم من الكتاب ، يأتي بقوة أعلى من قوة « عفريت » من الجن . فالحق هو القائل : قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ . . ( 39 ) [ سورة النمل ] وهذا يدل على أن هناك أذكياء وأغبياء في عالم الجن أيضا . وجاء الذي عنده علم من الكتاب فتسامى فوق عفريت الجن في الزمن ، فقد قال هذا العفريت : أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ . . ( 39 ) [ سورة النمل ] والمقام هو الفترة الزمنية التي قد يقعدها سليمان في مجلسه ، فماذا قال الذي عنده علم من الكتاب - وهو إنسان - ؟ قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ . . ( 40 ) [ سورة النمل ]

--> ( 1 ) رواه البخاري في الأدب ، ومسلم في السلام ، وأبو داود في السنة ، وابن ماجة في الصوم ، ورواه أحمد 3 / 156 ، 285 ، 337 .