محمد متولي الشعراوي

4026

تفسير الشعراوى

العملية وكان أمرها شاقا عليه ؛ لأن المسألة تقتضى التقاءات ملكية ببشرية ، ولا بد أن يحدث تفاعل ، وهذا التفاعل الذي كان يظهر على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيحمر وجهه ، ويتصبب منه العرق ، وبعد ذلك يقول : زملوني زملوني ودثروني ، وإن كان قاعدا وركبته على ركبة أحد بجانبه فيشعر جاره بالثقل ، وإن كان على دابة تئط وتئن تعبا ، لأن التقاء الوحي برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحتاج إلى أمرين : إما أن يتحول الوحي وهو حامل الرسالة إلى بشرية مماثلة لبشرية الرسول ، وإما أن الرسول ينتقل إلى ملائكية تتناسب مع استقباله للملك . وهكذا كان التقاؤه بالملكية يتطلب انفعالا وتفاعلا . لكن لما أنس صلى اللّه عليه وسلم بالوحي عرف حلاوة استقباله نسي المتاعب ، ولذلك عندما فتر الوحي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اشتاق إليه . وكان الوحي من قبل ذلك يتعبه ، ويجهده ، فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يبقى في نفسه حلاوة ما أوحى به إليه ، وتهدأ نفسه وترتاح ويشتاق إلى الوحي ، فإذا ما استقبل الوحي بشوق فلن يتذكر المتاعب . وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( من الآية 164 سورة الأنعام ) إذن مادة الوزر هي الثقل بمشقة ، أي لا يحمل إنسان مشقة ثقيلة عن آخر ؛ فالمسؤولية لا تتعدى إلا إذا تعدى الفعل ، وعرفنا من قبل الفارق بين من ضل في ذاته ، ومن أضل غيره ليحمل أوزاره مع أوزارهم لتعديه بإضلالهم . وسنعود جميعا إلى ربنا لينبئنا بما كنا فيه نختلف . ويقول جل وعلا بعد ذلك : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 165 ] وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 165 )