محمد متولي الشعراوي

4027

تفسير الشعراوى

وهناك قول كريم في آية أخرى : هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ ( من الآية 39 سورة فاطر ) وهنا يقول الحق : خَلائِفَ الْأَرْضِ . ومعنى « خليفة » أي الذي يخلف غيره ؛ فإما أن يخلفه زمانا ، وإما أن يخلفه مكانا . وخلفة الزمان أن يأتي عصره بعد عصره ، ويومه بعد يومه ، وخلفة المكان أي أن يكون جالسا ثم يرحل ليأتي آخر ليستقر مكانه ، وانظر إلى كل قواعد الحياة بالنسبة للإنسان تجده في شبابه قويّا ، ثم يرحل عنه الشباب ليأخذه آخره ، ويذهب إلى الشيخوخة . وكذلك نجد إنسانا يملك مكانا ثم يتركه ويأتي واحد آخر يملكه . أو أن الحق سبحانه وتعالى أراد من الخلافة ، لا خلافة بعضنا لبعض ولكن خلافة الإنسان لرب الإنسان في الأرض ؛ لأن كل شئ منفعل للّه قهرا ، والحق سبحانه وتعالى منح بسعة عطائه ؛ فجعل بعض الأشياء تنفعل لبعضها هبة منه سبحانه ، فإذا أوقدت النار - على سبيل المثال - تنفعل لك ، وإذا حرثت في الأرض ووضعت فيها البذور تنفعل لك ، وإذا شربت ترتوى ، وإذا أكلت تشبع . من أين أخذت كل ذلك ؟ . إنك قد أخذته من أن الحق الذي سخّر لك ما في الكون ، وجعل أسبابا ومسببات ، فكأنك أنت خليفة إرادات ؛ لكي يثبت لنا سبحانه أنه يفعل ما يريد ، فعلينا أن نأخذ هذه القضية قضية مسلمة ، وإن أردت أن تختبر ذلك فانظر إلى أي إنسان ولو كان كافرا ويريد أن يقوم من مكانه ، وتنفعل له جوارحه فيقوم ، فأي جارحة أمرها أن تفعل ذلك ؟ . إنه لا يعرف إلا أنه بمجرد أنه أراد أن يقوم قد قام . وحتى لا تفهم أنك أخذت كل ذلك بشطارتك فهو يجعل بعضا من الأمور