محمد متولي الشعراوي

2644

تفسير الشعراوى

الضلال . والحق سبحانه وتعالى بوضعه منهج الهداية أعطانا أقصر طريق مستقيم إلى الغاية ، فإذا ما انحرفنا هنا أو هناك ، فالانحراف في البداية يتسع حتى ننتهى إلى غير غاية . وضربنا قديما هذا المثل وقلنا : إن هناك نقطة في منتصف كل دائرة تسمى مركز الدائرة ، فإذا ما انحرف المتجه إليها بنسبة واحد على الألف من الملليمتر فتتسع مسافة ابتعاده عنها كلما سار على نسبة الانحراف نفسها ، برغم أنه يفترض في أن كل خطوة يخطوها تهيئ له القرب إلى الغاية . لقد ضربنا مثلا توضيحيا ب « الكشك » الذي يوجد قبل محطات السكك الحديدية ، حيث ينظم عامل « الكشك » اتجاهات القطارات على القضبان المختلفة ويتيح لكل قطار أن يتوقف عند رصيف معين حتى لا تتصادم القطارات ، ومن أجل إنجاح تلك المهمة نجد عامل التحويلات في هذا « الكشك » يحرك قضيبا يكون سمكه في بعض الأحيان عددا من الملليمترات ، ليلتصق هذا القضيب بقضيب آخر وبذلك يسمح لعجلات القطار أن تنتقل من قضيب إلى آخر . الضلال - إذن - أن يسلك الإنسان سبيلا غير موصل للغاية ، وكلما خطا الإنسان خطوة في هذا السبيل ابتعد عنها ، وهذا الابتعاد عن الغاية هو الضلال البعيد ، والإضلال من الشيطان يكون بتزيينه الشر والقبح للإنسان ليبعده عن مسالك الخير والفضيلة . ومن بعد ذلك يأتي على لسان الشيطان ما قاله الحق في هذه الآية : « وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ » والأماني هي أن ينصب الإنسان في خياله شيئا يستمتع به من غير أن يخطو له خطوة عمل تقربه من ذلك ، ومثال ذلك الإنسان الذي نراه جالسا ويمنى نفسه قائلا : سيكون عندي كذا . . وكذا وكذا ولا يتقدم خطوة واحدة لتحقيق ذلك . ولذلك يقول الشاعر تسلية لنفسه : منى . . إن تكن حقا . . تكن أحسن المنى * وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا