محمد متولي الشعراوي

3177

تفسير الشعراوى

ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليعلنها قضية كونية مادية تجريبية معملية : ( أنتم أعلم بأمر دنياكم ) « 1 » . أي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم ترك للأمة إدارة شؤونها التجريبية ، ولم يكن ذلك القول تركا للحبل على الغارب في شؤون المنهج ، فقد وضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الفيصل فيما تتدخل فيه السماء ، وفيما تتركه السماء للبشر ، وأعمار الناس - كما نعلم - تختلف ، فنحن نقول للإنسان طفولة ، وله فتوة ، وشباب ، وله اكتمال رجولة ونضج ؛ لذلك يعطى الحق من الأحكام ما يناسب هذا المجتمع ؛ يعطى أولا الاحتياج المادي للطفولة ، وعند عصر الفتوة يعطيه المسائل الإدراكية ، وعندما يصل إلى الرشد يعطيه زمام الحركة في الكون على ضوء المنهج ، فكانت رسالة الإسلام على ميعاد مع رشد الزمان ، فأمن الحق سبحانه أتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، أن يقفوا ليحموا حركة الإنسان من أهواء البشر . وكانت الرسل تأتى من عند اللّه بالبلاغ للمجتمعات البشرية السابقة على الإسلام . وكانت السماء هي التي تؤدب . ولكن عندما اكتمل رشد الإنسانية ، رأينا الرسول يبلغ ، ويوكّله اللّه في أن يؤدب من يخرج على منهج اللّه في حركة الحياة ، لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم أصبح مأمونا على ذلك . وإذا نظرت إلى الكون قديما لوجدته كونا انعزاليا ، فكل جماعة في مكان لا تعلم شيئا عن الجماعة الأخرى ، وكل جماعة لها نظامها وحركتها وعيشها وداءاتها . والإسلام جاء على اجتماع للبشر جميعا . فقد علم اللّه أزلا أن الإسلام سيجئ على ميعاد مع إلغاء فوارق الزمن والمسافات ، وأن الداء يصبح في الشرق فلا يبيت إلا وهو في الغرب ، وكذلك ما يحدث في الغرب لا يبيت إلا وهو في الشرق . إذن فقد اتحدت الداءات ولا بد أن يكون الدواء واحدا فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم جامعا للزمان وجامعا للمكان ومانعا أن يجئ رسول آخر بعده ، وأن العالم قد وصل إلى قمة نضجه . فإذا ما جاء الإنسان ليعلم منهج اللّه ب « افعل » ولا « تفعل » ، وجد أن المنهج محروس بالمنهج ، بمعنى أن الكتب السابقة على القرآن فيها « افعل » و « لا تفعل » ، والقرآن أيضا فيه « افعل » و « لا تفعل » لكن المنهج

--> ( 1 ) رواه مسلم عن أنس وعائشة .