محمد متولي الشعراوي
3174
تفسير الشعراوى
وهنا أجملت الآية ، فقالت : « وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ » أي أن القرآن مصدق للكتب السماوية السابقة . وما الفارق بين كلمة « الكتاب » الأولى التي جاءت في صدر الآية ، وكلمة « الكتاب » الثانية ؟ إننا نعلم أن هناك « ال » للجنس ، و « ال » للعهد ، فيقال « لقيت رجلا فأكرمت الرجل » ، أي الرجل المعهود الذي قابلته . فكلمة الكتاب الأولى اللام فيها للعهد أي الكتاب المعهود المعروف وهو القرآن ، وكلمة الكتاب الثانية يراد بها الجنس أي الكتب المنزلة على الأنبياء قبله ، فالقرآن مهيمن رقيب عليها ؛ لأنها قد دخلها التحريف والتزييف . كلمة « الحق » - إذن - تعنى أن كتاب اللّه الخاتم لكتبه المنزلة وهو القرآن قد نزل بالحق الثابت في كل قضايا الكون ومطلوب حركة الإنسان . ونزل بالحق بحيث لم يصبه تحريف ولا تغيير . إذن فالحق هو في مضمونه وفي ثبوت نزوله . وقد نزل القرآن بعد كتب أنزلها اللّه متناسبة مع الأزمنة التي نزلت فيها ؛ لأنه سبحانه خلق الخلق لمهمة أن يشهدوا أن لا إله إلا اللّه ، وأن يعمروا هذا الكون بما أمدّهم به من عقل يفكر ، وطاقات تنفّذ ، ومادة في الكون تنفعل ، فإن أرادوا أصل الحياة مجردا عن أي ترق أو إسعاد فلهم في مقومات الأرض ما يعطيهم ، وإن أرادوا أن يرتقوا بأنفسهم فعليهم أن يعملوا العقل الذي وهبه اللّه ليخدم الطاقات التي خلقها اللّه في المادة التي خلقها اللّه ، وحينئذ يأخذون أسرار اللّه من الوجود . إن أسرار اللّه في الوجود كثيرة ، وتفعل لنا وإن لم نعرف نحن السر . فنجد الجاذبية التي تمسك الأفلاك تفعل لنا ، وإن لم نكن قد اكتشفنا الجاذبية إلا أخيرا . والكهرباء السارية في الكون سلبا وإيجابا تعمل لنا وإن لم نعرف ما تنطوى عليه من سرّ . إن الحق سبحانه حين يريد ميلاد سر في الكون سبحانه يمد الخلق بأسباب بروز هذا السر . واعلموا أن كل سر من أسرار الكون المسخر للإنسان له ميلاد كميلاد