محمد متولي الشعراوي
3175
تفسير الشعراوى
الإنسان نفسه ، إما أن يصادف - هذا الميلاد - عمل العقل في مقدمات تنتهى إليه ، وحينئذ يأتي الميلاد مع مقدمات استعملها البشر فوصلوا إلى النتيجة ، تماما مثل التمرين الهندسى الذي يقوم الطالب بحله بعد أن يعطيه الأستاذ بعضا من المعطيات ، ويستخدمها التلميذ كمقدمات ليستنبط ما يريد المدرس أن يستنبطه من مطلوب الإثبات . فإن صادف أن العقل بحث في الشئ معمليا وتجريبيا وصل ميلاد السر مع البحث . وإن جاء ميلاد السر في الكون ، ولم يشغل الإنسان نفسه ببحث مقدمات توصل إليه ، وأراد اللّه ذلك الميلاد للسر فماذا يكون الموقف ؟ أيمنع اللّه ميلاد السر لأننا لم نعمل ؟ . لا . بل يخرج سبحانه السر إلى الوجود كما نسمع دائما عن مصادفة ميلاد شئ على يد باحث كان يبحث في شئ آخر ، فنقول : إن هذا السر خرج إلى الوجود مصادفة . وإذا نظرت إلى الابتكارات والاختراعات وأمهات المسائل التي اكتشفت لوجدتها من الصنف الثاني ، ونجد المفكر أو العالم وقد غرق في بحث ما ، ثم يعطيه اللّه سرا من أسرار الكون لم يكن يبحث عنه ، فيقال عن الاكتشاف الجديد : إنه جاء مصادفة ، وحينما جعل اللّه لكل سر ميلادا ، فهو قد أعطى خلقه حياة من واسع فضله ، وأعطاه قدرة من فيض قدرته وأعطاه علما من عنده ( وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ) ، ووهبه حكمة يؤتى بها خيرا « وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً » . وهو سبحانه وتعالى يريد من خلقه أن يتفاعلوا مع الكون ليبرزوا الأشياء ، وإذا كان سبحانه يريد منا أن ننفعل هذا الانفعال فلا بد أن يضع المنهج الذي يصون طاقاتنا وفكرنا مما يبددهما . والذي يبدد أفكار الناس وطاقاتهم هو تصارع الأهواء ، فالهوى يصادم الهوى ، والفكرة قد تصادم فكرة ، وأهواء الناس مختلفة ؛ لذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يضمن لنا اتفاق الأهواء حتى نصدر في كل حركاتنا عن هوى واحد ؛ وهو ما أنزله الخالق الأعلى الذي لا تغيره تلك الأهواء . أما ما لا تختلف فيه الأهواء فتركنا لكي نبحث فيه ؛ لأننا سنتفق فيه قهرا عنا . ولذلك نقول دائما : لا توجد اختلافات في الأفكار المعملية التجريبية المادية ، فما وجدنا كهرباء روسية ، وكهرباء أمريكية لأن المعمل لا يجامل . والمادة الصماء لا تحابى . والنتيجة المعملية تخرج بوضوحها واحدة .