محمد متولي الشعراوي

3173

تفسير الشعراوى

كان يجب أن يتجهوا إلى ما نادوا به ، ولكن ها نحن أولاء نرى أنهم كلما تقدموا في الزمن تراجعوا عن أفكارهم الأولى . حتى انقلبوا على أنفسهم . وذلك دليل على أن المنهج الذي اتخذوه لأنفسهم غير صحيح . والمنهج الرأسمالى أظل كما هو ؟ لا ؛ لأن الأحداث قد اضطرت الرأسمالية أن تعطى العمال حقوقا وبذلك لم تبق لرأس المال شراسته . كما سارت الشيوعية إلى معظم أساليب الرأسمالية . والرأسمالية سارت إلى بعض من أساليب الاشتراكية وهما - إذن - يريدان أن يلتقيا . ولكن الإسلام أوجد هذا اللقاء من البداية ، فاحترم رأس المال ، واحترم العمل . وكل إنسان لزم حدوده . وضمن وجود واستمرار حركة الحياة . ولذلك نجد أن الرأسمالية تقول : يجب أن توفر الحوافز للعمل . ولم تصل الشيوعية أيضا إلى مداها ، بل قامت بإهدار حقوق الناس ، ثم ماذا عن الذين لم تمتد إليهم يد الشيوعية - قبل أن توجد - وكان فيهم من يستغل الناس ؟ كان العقل يحتم أن تؤمن الشيوعية بأن هناك آخرة يعاقب فيها من استغلوا الناس من قبل ، ومن مصلحتهم إذن أن توجد آخرة . وكان من اللازم أن يكونوا متدينين . وكذلك الرأسمالية التي لا تعترف إلا بالربح المادي ، امتلأت مجتمعاتها بالضحايا الذين فقدوا المعنويات . وقول الحق : « أنزلنا » يعتبر أن هناك منهجا نزل من أعلى . وحين نأخذ معطيات البيان القرآني ، نجده سبحانه يبلغنا تعاليمه : « قُلْ تَعالَوْا » . أي ارتفعوا إلى مستوى السماء ولا تهبطوا إلى حضيض الأرض . ولذلك قال الحق : « وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ » ونرى أن آيات القرآن تتآزر وتخدم كل منها الأخرى . ونزول الكتاب بالحق يحتاج إلى صدق دليل أنه ينزل من اللّه حقا ، وأن تأتى كل قوانين الحق في حركة الحياة بالانسجام لا بالتنافر ، وهناك آية تشرح كلمة « الحق » : وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ( من الآية 105 سورة الإسراء ) أي أنه نزل من عند اللّه وليس من صناعة بشر . ( وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ) أي نزل بالمنهج من عند اللّه الذي يقيم منطق الحق في كل نفس وكل مكان ، ويضمن كل حق يقيم حركة الحياة .