محمد متولي الشعراوي

3141

تفسير الشعراوى

العالي ، وكذلك الزانية ذات الحسب والنسب ؛ لذلك قال الحق على لسانهم : « إِنْ أُوتِيتُمْ هذا » . أي التخفيف المراد فخذوه ، وإن وجدتم العقاب القاسى فاحذروه ولا تقبلوه . إذن فهم لم يذهبوا إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ابتغاء الحق ولكنهم يبتغون التخفيف . فإن وافق الحكم هواهم قالوا : إن محمدا هو الذي حكم ، ومن العجيب أنهم أعداء لمحمد وكافرون به . وبرغم ذلك يحكّمونه . هذه الواقعة يرويها الإمام مسلم رضى اللّه عنه وهي : « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أتى يهودي ويهودية قد زنيا فانطلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى جاء يهود فقال : ما تجدون في التوراة على من زنى ؟ قالوا : نسوّد وجوههما ونحمّمهما ونحملهما ونخالف بين وجوههما ، ويطاف بهما ، قال : ( فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) قال : فجاءوا بها ، فقرأوها ، حتى إذا مرّ بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم وقرأ ما بين يديها وما وراءها ، فقال له عبد اللّه بن سلام وهو مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : مره فليرفع يده ، فرفع يده فإذا تحتها آية الرجم ، فأمر بهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فرجما ، قال عبد اللّه بن عمر : كنت فيمن رجمهما فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه » « 1 » . إنهم يريدون الحكم السهل الهين اللين . وقال البعض : إن سبب نزول هذه الآية هي قصة القود . والقود هو القصاص . وقصة القود في إيجاز هي - كما رواها الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن عباس رضى اللّه عنه - أن طائفتين من اليهود هما بنو النضير وبنو قريظة كانتا قد تحاربتا في الجاهلية ، فقهرت بنو النّضير بني قريظة ، فكانت النّضير وهي العزيزة إذا قتلت أحدا من بني قريظة وهي الذّليلة لم يقيدوهم أي لم يعطوهم القاتل ليقتلوه بقتيلهم . إنما يعطونهم الديّة . وكانت قريظة إذا قتلت أحدا من بنى النّضير لم يرضوا منهم إلا بالقود . فلما قدم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة تحاكموا إليه في هذا الأمر فحكم بالتّسوية بينهم ، فساءهم ذلك ولم يقبلوا . وأي قصة منها هي مؤكّدة للمعنى .

--> ( 1 ) رواه مسلم .