محمد متولي الشعراوي
3142
تفسير الشعراوى
ومن بعد ذلك يقول الحق : « وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً » والفتنة هي التعذيب بالنار ، وسبحانه يقول : يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ( 13 ) ( سورة الذاريات ) والفتنة أيضا هي الابتلاء والاختبار ، ويقال : « فتنت الذهب » أي وضعت الذهب في بوتقة وحوّلته بالحرارة العالية من جسم صلب إلى سائل حتى تستخلصه من المواد العالقة الشائبة التي فيه ليصير نقيا . والفتنة في ذاتها ليست مذمومة . ولكن المذموم منها هو النتيجة التي تصل إليها ؛ أينجح الإنسان فيها أم يرسب ؛ لأن الاختبارات التي يمر بها الإنسان كلها هي فتنة ، والذي ينجح تكون الفتنة بالنسبة إليه طيبة . والذي يرسب ويفشل فالفتنة بالنسبة إليه سيئة . وعندما يريد اللّه فتنة بشر أي يريد اختبارهم : أيأتون طوعا واختيارا أم لا ؟ وما دام الحق سبحانه وتعالى أعطى للإنسان قدرة الاختيار حتى يثبت صفة المحبوبية فسبحانه أراد ذلك ، ولا أحد بقادر أن يجعل الإنسان مقهورا . وقد أراده اللّه مختارا وأن يبتلى وأن يختبر . أينجح أم يرسب ، أيكون مؤمنا أم كافرا : « وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً » . وجعل سبحانه ذلك قانونا لخلقه بمنتهى الوضوح ، وهناك جانب في الإنسان مسخّر ، وجانب آخر مخيّر . « وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً » . أي أن أحدا لا يجرؤ أن يغير نواميس الكون ولن يغير اللّه نواميس الكون من أجل أي أحد ؛ لأن النواميس لا بد أن تسير كما أرادها اللّه حتى على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد عرفنا ما حدث في أحد ؛ عندما تخاذل الرّماة ولم يستمعوا إلى نصيحة القائد الأعلى سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ أغيّر اللّه سنّته من أجل وجود حبيبه معهم ؟ لا ، وانهزموا على رغم وجود رسول اللّه معهم ؛ لأن اللّه أراد للسّنة الكونية أن تسير كما هي من أجل إصلاح الأمر . فلو فرض أنهم انتصروا من أجل خاطر النبي ، ماذا يكون الموقف في أوامره صلّى اللّه عليه وسلّم فيما بعد ؟ كان من الممكن أن يقول شخص منهم : « خالفناه وانتصرنا » . إذن لا بد لسنّة اللّه أن تنفّذ .