محمد متولي الشعراوي

3138

تفسير الشعراوى

إنهم يسارعون إلى الصف الأول في الصلاة وهذا إسلام ، أما الإيمان فمحلّه القلب . إذن فالذين قالوا بأفواههم آمنا ، لهم أن يعرفوا أن منطقة الإيمان ليست الأفواه ولكنها القلوب . وهم قالوها بأفواههم وما مرّت على قلوبهم . وما داموا قد قالوا بأفواههم آمنا وما مرّت على قلوبهم فهؤلاء هم المنافقون ، ومعنى ذلك أنهم في كل يوم ستظهر منهم أشياء تدخلهم في الكفر ؛ لأنهم من البداية قد أبطنوا الكفر ، وبعد ذلك يسارعون في مجال الكفر . « مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا » هم إذن صنفان اثنان يسارعان في الكفر ؛ المنافقون الذين قالوا بأفواههم آمنا ، والذين هادوا . ويصفهم الحق بقوله : « سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ » وساعة تسمع مادة « السين والميم والعين » فهذا يعنى أن الأذن قد استقبلت صوتا من مصوّت ، هذا المصوّت إما أن يكون متكلما بالكلام الحقّ فيجذ من الأذن الإيمانية استماعا بإنصات ؛ ثم يتعدى الاستماع إلى القبول ؛ فيقول المؤمن : أنا استمعت إلى فلان ، لا يقصد أنه سمع منه فقط ولكن يقصد أنه سمع وقبل منه ما قال . إننا نعلم أن كثيرا من الورعين يسمعون كذبا ، لكن الفيصل هو قبول الكذب أو رفضه . وليس المهم أن يكون الإنسان سامعا فقط ، ولكن أن يصدق ما يسمع . ونرى في الحياة اليومية إنسانا يريد أن يصلح شيئا من أثاث منزله فيأتي بالأدوات اللازمة لذلك ، ويقال هنا عن هذا الرجل : « نجر فهو ناجر » ولا يقال له : « نجّار » ؛ لأن النجار هو من تكون حرفته النّجارة . إذن كلمة : سامع للكذب لا تؤدى المعنى ، ولكن « سمّاع » تؤدى المعنى ، أي أن صناعته هي التسمّع ، وعندما يقول الحق : « سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ » أي ألفوا أن يقبلوا الكذب . وكيف يكون مزاج من يقبل الكذب ؟ . لا بد أن يكون مزاجا مريضا بالفطرة . وما معنى الكذب هنا ومن هم السمّاعون ؟ إما أن يكون المقصود بهم الأحبار والرهبان الذين قالوا لأتباعهم كلاما غير ذي سند من واقع من أجل الحفاظ على مراكزهم . وإما أن يكونوا سماعين للكذب لا لصالحهم هم ، ولكن لصالح قوم