محمد متولي الشعراوي
3139
تفسير الشعراوى
آخرين . كأنهم يقومون بالتجسس . والتجسس - كما نعلم - يكون بالعين أو بالأذن . وتقدمت هذه الوسائل في زماننا حتى صار التجسس بالصوت والصورة . وكأن الحق يريد أن يبلغنا أنهم سماعون للكذب ، أي أنهم يسمعون لحساب قوم آخرين . والقوم الآخرون الذي يسمعون لهم هم القوم الذين أصابهم الكبر والغرور واستكبروا أن يحضروا مجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وهم في الوقت نفسه لا يطيقون الانتظار ويريدون معرفة ماذا يقول رسول اللّه ، لذلك يرسلون الجواسيس إلى مجلس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لينقلوا لهم . أولئك السماعون للكذب هم سماعون لحساب قوم آخرين لم يأتوا إلى مجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تكبّرا . وهؤلاء المتكبرون هم كبار اليهود ، وهم لا يذهبون إلى مجلس رسول اللّه حتى لا يضعف مركزهم أمام أتباعهم . وعندما ينقل إليهم الكلام يحاولون تصويره على الغرض الذي يريدون ، ولذلك يقول عنهم الحق : « يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ » . أي أنهم يحرّفون الكلام بعد أن استقر في مواضعه ويستخرجونه منها فيهملونه ويزيلونه عن مواضعه بعد أن وضعه اللّه فيها وذلك بتغيير أحكام اللّه ، وقال الحق فيها أيضا من قبل ذلك : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ( من الآية 13 سورة المائدة ) أي أنهم حرّفوا الكلام قبل أن يستقر . « سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ » وهم الذين يقولون لأتباعهم من جواسيس الاستماع إلى مجلس رسول اللّه : « إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا » . فكأنهم أقبلوا على النبي بهذا ، فإن أخذوا من رسول اللّه معنى يستطيعون تحريفه فعلوا . وإن لم يجدوا ما يحرفونه فعليهم الحذر . ومن دراسة تاريخ القوانين الوضعية نعرف معنى السلطة الزمنية . فالقوانين التي تواضع عليها بشر ليحكموا بها نظام الحياة تأخرت في الظهور إلى الواقع عن نظام الكهنة ، فقد كان الكهنة يدّعون أن لهم صلة بالسماء ولذلك كان الحكم لهم ، أي أن التقنين في الأصل هو حكم السماء والذي جعل الناس تتجه إلى وضع قوانين خاصة بهم أنهم جربوا الكهنة فوجدوهم يحكمون في قضية ما حكما . وفي القضية المشابهة يحكمون حكما آخر . لقد كان كلام الكهنة مقبولا عندما ادعوا لأنفسهم