محمد متولي الشعراوي

3137

تفسير الشعراوى

ومن بعد ذلك يقول الحق : وَارْزُقُوهُمْ فِيها ( من الآية 5 سورة النساء ) لم يقل ارزقوهم منها ، ذلك أنه سبحانه شاء أن يعلمنا أن الرزق مطمور في رأس المال ويجب أن يتحرك رأس المال في الحياة حتى لا ينقص بالنفقة ، وحتى لا تستهلكه الزكاة ، وحتى يبلغ السّفيه رشده ويجد المال قد نما . هذه بعض من معطيات « في » . وهناك آية الصّلب : وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ( من الآية 71 سورة طه ) بعض المفسرين يقولون في هذه الآية : « لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ » ونقول : إن الذين قالوا ذلك لم يفسّروا هذه الآية وكان يجب أن يقولوا في تفسير ذلك : لأصلبنكم على جذوع النخل تصليبا قويا يدخل المصلوب في المصلوب فيه . ومثال ذلك لو جئنا بعدو ثقاب وربطناه على الأصبع بخيط رفيع وأوثقنا الربط ، فعود الثقاب يغوص في الأصبع حتى يصير وكأنه داخل الأصبع . وعندما يقول الحق : « وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ » فيجب ألا نفهم هذا القول إلا على أساس أنه تصليب على جذوع النخل تصليبا قويا يدخل المصلوب في المصلوب فيه . وتلك هي العلّة في وجود « في » وعدم وجود « على » . والحق يقول هنا : « لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ » * فكأن المسارعة إما أن تكون ب « إلى » وإما أن تكون ب « في » . فإن كانت ب « إلى » فهي انتقال إلى شئ لم يكن فيه ساعة بدء السرعة ، وإن كانت ب « في » فهي انتقال إلى عمق الشئ الذي كان فيه قبل أن يبدأ المسارعة . « لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ » فالإيمان محلّه القلب ، والإسلام محلّه الجوارح ؛ ولذلك قال سبحانه : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ( من الآية 14 سورة الحجرات )