محمد متولي الشعراوي

3135

تفسير الشعراوى

وقد يكون حزن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حزنا من لون آخر ، اسمه الحزن المتسامى الذي قال فيه الحق : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ( 6 ) ( سورة الكهف ) لأن الحق لو شاء أن يجعلهم مؤمنين لما جعل لديهم القدرة على الكفر . إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ( 4 ) ( سورة الشعراء ) وهل اللّه يريد أعناقا ؟ لا . بل يريد قلوبا ؛ لأن سيطرة القدرة بإمكانها أن تفعل ما تريد ، بدليل أن السماء والأرض والجبال وكل الكائنات أتت للخالق طائعة . فلا يمكن أن يتأبّى الكون على خالقه . والقدرة أفادت القهر وأفادت السيطرة والعزة والغلبة في سائر الكون ، ولكن اللّه أحب أن يأتي عبده - وهو السيد - للإيمان مختارا ؛ لأن الإيمان الأول هو إيمان القهر والقدرة ، ولكن الإيمان الثاني هو إيمان المحبة . وقد ضربنا من قبل المثل على ذلك ولنوضحه : هب أن عندك خادمين ربطت أحدهما في سلسلة لأنك إن تركته قليلا يهرب ، وعندما تريده تجذب السلسلة فيأتي ، إنه يأتي لسيطرة قدرتك عليه والقهر منك ، أما الخادم الآخر فأنت تتركه حرّا ويأتيك من فور النداء . فأيهما أحب إليك ؟ لا شك أنك تحب الذي يجئ عن حب لا عن قهر . وكل أجناس الكون مسخّرة بالقدرة ، وشاء الحق أن يجعل الإنسان مختارا لذلك قال : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ ( من الآية 72 سورة الأحزاب ) إذن فقد رفضت كل الأجناس حمل الأمانة . خوفا وإشفاقا من أنها قد لا تستطيع القيام بذلك . والحق يقول لرسوله : « لا يَحْزُنْكَ » * فأمّا إذا كان الحزن بسبب الخوف على المنهج منهم ، فالحق ينصره ولن يمكنهم منه . وأما إن كان الخوف عليهم فلا ؛