محمد متولي الشعراوي

3123

تفسير الشعراوى

خالق الكون لم يخلق الكون وتركه بسننه ، لا . إنه يخرق السنن كلما أراد . لكن لو تأبى إنسان على استعمال اليد اليمنى في الأكل مثلا وهو قادر على ذلك فإنه يكون مخالفا لسنة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ومجافيا للفطرة . « فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا » وإذا سمعنا كلمة « كسب » فهي تعنى الأخذ لأكثر من رأس المال . والسارق يكسب السيئة لأنه أخذ ما فوق الضرورة . والنكال : العقاب أو هو العبرة المانعة من وقوع الجرم سواء لمن ارتكب الجريمة وكذلك لمن يراها . والحق يقول عن بعض الأمور : وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( من الآية 2 سورة النور ) وضرورة الإعلان عن تنفيذ عقوبة الفعل المؤثّم من أجل الاعتبار والعظة ، فالتشريع ليس من بشر لبشر ، إنما تشريع خالق لمخلوق . والخالق هو الذي صنع الصنعة فلا تتعالم على خالق الصنعة . والشريعة لا تقرر مثل هذا العقاب رغبة في قطع الأيدي ، بل تريد أن تمنع قطع الأيادى . وإن ظل التشريع على الورق دون تطبيق فلن يرتدع أحد . والذين قالوا « قطع الأيدي فعل وحشى » ، نقول لهم : إن يدا واحدة قطعت في السعودية فامتنعت كل سرقة . وإذا كان القتل أنفى للقتل ؛ فالقطع أنفى للقطع ، أما عن مسألة التشويه التي يطنطنون بها فحادثة سيارة واحدة تشوه عددا من الناس وكذلك حادثة انفجار لأنبوبة « بوتاجاز » تفعل أكثر من ذلك . فلا تنظروا إلى القصاص مفصولا عن السرقة إن انتشرت في المجتمع . وإبطاء القائمين على الأمر للإجراءات التي يترتب عليها العقوبات ينسى المجتمع بشاعة الجريمة الأولى ، وعندما يحين وقت محاكمة المجرم تكون الرحمة موجودة . لكن إن وقّع العقاب ساعة الجرم تنته المسألة . وساعة يسمع اللصوص أننا سنقطع يد السارق ، سيفكر كل منهم قبل أن يسرق ولا يرتكب الجرم ؛ لأن المراد من الجزاء العبرة والعظة ومقصد من مقاصد التربية وتذكرة للإنسان بمطلوبات اللّه عنده إن أخذته الغفلة في سياسة الحياة فالجزاء هنا نكالا أي عقابا و « نكولا » وهو