محمد متولي الشعراوي

3124

تفسير الشعراوى

الرجوع عن فعل الذنب أي العبرة المانعة من وقوع الجرم . فكأن الجزاء كان المقصود منه أن يرى الإنسان من قطعت يده فيمتنع عن التفكير في مثل ما آلت إليه هذه الحالة . أو أن يحافظ الذي قطعت يده على ما بقي من جوارحه الباقية ؛ لأنه قد قطعت يمينه وإن عاد قطعت يساره ، فإن عاد قطعت رجله اليمنى ثم إن عاد قطعت رجله اليسرى ويكون النكال لمنع الرجوع للجريمة ، وهو إما رجوع ممن رأى العقوبة تقع على السارق أو الرجوع من السارق نفسه إن رأى أي جارحة من جوارحه قد نقصت . فيحرص أن تظل الجوارح الباقية له . ويعامل الحق خلقه بسنة كونية هي : أن من يأخذ غير حقّه يحرم من حقه . ومثال ذلك قوم من بني إسرائيل قال اللّه حكما فيهم : لقد استحللتم ما حرمته عليكم فلا جزاء لكم إلا أن أضيق عليكم وأحرم عليكم ما أحللت لكم . فقال : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ( من الآية 160 سورة النساء ) إذن ليس في قدرة أحد أن يضحك على اللّه أو أن يخدع اللّه أو أن يأخذ ما ليس حقا له . فإن أسرف الإنسان في تعاطى أشياء حرمها اللّه عليه فسيأتي وقت يحرمه اللّه فيه من أشياء حللها له كالذي أسرف في شرب الخمر أو في تناول المواد المخدّرة التي تغيب عن الوعي ، يبتليه الحق بما يجعله محروما من متع أخرى كانت حلالا . وإن أسرف الإنسان مثلا في تناول الحلوى . فإن المرض يأتيه ، ويحرم اللّه عليه أشياء كثيرة . ولو قاس المسرف على نفسه ما أحله لنفسه بما حرمه اللّه عليه لوجد الصفقة بالنسبة له خاسرة . فالذي أسرف بغير حق في أن يأكل مال أحد ، يرى ماله وهو يضيع أمام عينيه . ولنا في ذلك المثل . كان السادة في الريف - قديما - يقومون بتنقية الدقيق إلى درجة عالية حتى يصبح في تمام النقاء من « الردة » . ويسمون هذا النوع من الدقيق « الدقيق العلامة » وكانوا يأكلون منه ويتركون البقية من الدقيق مختلطا بالردة ليأكله الخدم أو الفقراء ، فتأتي فترة يحرم الأطباء عليهم هذا الدقيق الأبيض ، ولا يجد الواحد منهم طعاما إلا الدقيق « السّن » الذي كان يرفضه قديما فعلينا - إذن - أن ننظر إليها كقضية سائدة في الكون كله ، ولنجعل قول اللّه أمامنا :