محمد متولي الشعراوي

3103

تفسير الشعراوى

وهذا القول لا حق لعقاب محدد للمفسدين في الأرض المحاربين للّه ورسوله وهو : « أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ » . وهذه العقوبات خزى لهم . إن كلمة « خزى » ترد في اللغة بمعنيين ؛ مرة بمعنى الفضيحة ، « خزى ، يخزى ، خزيا » ، أي انفضح ، ومرة ثانية هي « خزى ، يخزى ، خزاية وخزى » بمعنى استحى . والمعنيان يلتقيان ، فمادام قد افتضح أمر عبد فهو يستحى مما فعل . وتلك الأفعال خزى ، كالذي قطع طريقا على أناس آمنين ، ونقول لمثل صاحب هذا الفعل : إن قوّتك ليست ذاتية بل قوّة اختلاسية ؛ فلو كانت قوّتك ذاتية لاستطعت أن تتأبّى لحظة أن يأخذوك ليقتلوك أو يصلبوك أو يقطعوا يدك ورجلك . فقد اجترأت على العزّل الذين ليست لهم استطاعة الدفاع عن أنفسهم ، وفي هذا خزى لك . خصوصا وأنت ترى من كانوا يخافونك وأنت تنال العقاب . وخزيك الآن هو مقدمة لعذاب آخر في الآخرة ، فسوف تنال عذابا عظيما . « ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ » . وكل جزاء في الدنيا إنما يأتي على قدر طاقات البشر في العقاب ، ولكن ماذا إذا وكلّوا إلى طاقة الطاقات ؟ . ها هي ذي عدالة الحق تتجلّى ، فهو سبحانه وتعالى يفسح المجال للمسرفين على أنفسهم ؛ أولا بالتوبة ؛ لأن اللّه الرّحيم بعباده لو أخذ كل إنسان بجريرة فعلها أو عاقب كل صاحب ذنب بذنبه لاستشرى في الأرض فساد كل من ارتكب ذنبا لأنه يئس من رحمة اللّه فتشتد ضراوته وقسوته . وسبحانه فتح باب التوبة لكل من أسرف على نفسه . وإن لم توجد التوبة لصار المسرف فاقدا . وهب أن واحدا من الذين فعلوا ذلك استيقظ ضميره ، فإن تاب قبل أن تقدروا عليه فهناك حكم ، أما إن تاب بعد أن يقدر عليه المجتمع فلا توبة له . ويقول الحق : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 34 ] إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 34 )