محمد متولي الشعراوي

3102

تفسير الشعراوى

فلما دخل خالد إلى عبد الملك أراد أن يجد فيه شيئا يعيبه به ، قال عبد الملك لخالد : أتكلمنى في عبد اللّه وقد دخل علىّ آنفا فلم يخل لسانه من اللحن ؟ وقال خالد - معرضا بالوليد - : واللّه يا عبد الملك لقد أعجبتنى فصاحة الوليد . فقال عبد الملك : إن يكن الوليد يلحن فإن أخاه سليمان لا يلحن . فقال خالد : وإن كان عبد اللّه يلحن فإن أخاه خالدا لا يلحن . فقال عبد الملك : اسكت يا هذا فلست في العير ولا في النفير . وأظن أن قصة العير والنفير معروفة . فالعير هي التي كانت مع أبي سفيان وعليها البضائع من الشام وتعرض لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم نجا بها أبو سفيان . والنفير هم الجماعة التي استنفرها أبو سفيان من مكة لأنه خاف من المسلمين وكانت زعامتهم لعتبة . فالعير كانت زعامته لأبى سفيان والنفير كانت زعامته لعتبة بن ربيعة ، وكان عتبة هو جدّ خالد لأمه ، وأبو سفيان هو جدّه لأبيه . فقال خالد : ومن أولى بالعير وبالنفير منى ، جدّى أبو سفيان صاحب العير ، وجدى عتّبة صاحب النفير ، ولكن لو قلت غنيمات وشويهات وجبيلات وذكرت الطائف ورحم اللّه عثمان لكان أولى . وأسكته . إذن . فالنفى كان أول عقاب أنزله الرسول صلىّ اللّه عليه وسلم ، فهل ما فعله « الحكم » يعتبر فسادا ؟ . ونقول : إن كل فساد إنما يترتب على الفساد الذي يمس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وكان الحكم يستهزئ بمشية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وقد يقول مشرّع ما : إن السجن يقوم مقام النفي ونقول : لا ، إن السجن الآن فيه الكثير من الرفاهية . فقد كان السجن قديما أكثر قسوة . والهدف من السجن الإبعاد لتخفيف شرور المفسد وإن كان لا يبعده عن مستقره ووطنه . وذلك أمر متروك للحاكم يفعله كيف يشاء وخاصة إذا لم يكن هناك أرض إسلامية متعددة . بحيث يستطيع أن ينفيه من أرض إلى أرض أخرى . ويتبع الحق هذا بقوله : « ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ »