محمد متولي الشعراوي
3096
تفسير الشعراوى
أن يكون له ثبوت وتمكّن في موضع ما ، وهو ما نسميه اصطلاحا السكن ، أو الوطن ، أو المكان الذي يقيم به الإنسان لأنه ثابت فيه . ومعنى ثابت فيه . أي له حركة في دائرته ، إلا أنه يأوى إلى مكان مستقر ثابت ، ولذلك سمى سكنا ؛ أي يسكن فيه من بعد تحركه في مجالاته المختلفة . ومعنى النفي على هذا هو إخراجه من مسكنه ومن وطنه الذي اتخذه موطنا له وكان مجالا للإفساد فيه . ولكن إلى أي مكان نخرج إليه هذا الذي نحكم عليه بالنفي ؟ قد يقول قائل : أنت إن أخرجته من مكان أفسد فيه وذهبت به إلى مكان آخر فقد تشيع فساده ! لا ؛ لأن النفي لا يتيح له ذلك الإفساد ، ذلك أن التوطن الأول يجعل له إلفا بجغرافية المكان ، وإلفا بمن يخيفهم ؛ فهو يعرف سلوك جيرانه ويعرف كيف يخيف فلانا وكيف يغتصب بضاعة آخر وهكذا . ولكنه إن خرج إلى مكان غير مستوطن فيه فسوف يحتاج إلى وقت طويل حتى يتعرف إلى جغرافية المكان ومواقع الناس فيه ، ومواطن الضعف فيهم . وعلى ذلك يكون النفي هو منع لإفساد الفاسد . وحين يقول سبحانه : « أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ » نعرف أن كلمة « الأرض » لها مدلول ونسمى الأرض الآن : الكرة الأرضية . وكانوا قديما يفهمونها على أنها اليابسة وما فيها من مياه ، وبعد أن عرفنا أن جوّ الأرض منها صار جو الأرض جزءا من الأرض . ولذلك قلنا في المقدسات المكانية : إن كل جو يأخذ التقديس من مكانه ؛ فجو الكعبة كعبة ؛ بدليل أن الذي يصلى في الدور الثالث من الحرم ؛ ويتجه إلى الكعبة . يصلى متجها إلى جو الكعبة . ومن يستقل طائرة ويرغب في إقامة الصلاة يتجه إلى جو الكعبة ، وعندما ازدحم الحجيج وصار المسعى لا يتسع لكل الحجيج أقاموا دورا ثانيا حتى يسعى الناس فيه . إذن فالمسعى ليس هو المكان المحدد فقط ، ولكن جوه أيضا له قدسية ؛ فإن بنينا كذا طابقا فهي تصلح أيضا كمسعى . إذن فجو الأرض ينطبق عليه ما ينطبق على الأرض . ولذلك كانوا يحرمون - قبل أن يوجد طيارون مسلمون - أن يحوّم في جو الحرم طيار غير مسلم ؛ لأن الطيار غير المسلم محرم عليه أن يدخل الكعبة والحرم . وما دام هناك إنسان ممنوع من دخول الكعبة فهو أيضا ممنوع من الطيران في جوّ الكعبة .