محمد متولي الشعراوي

3083

تفسير الشعراوى

ويشاء الحق أن تقولها سيدتنا مريم وهي صغيرة السن ، وكأنها تقول ذلك كتمهيد ؛ لأنها - كما قلنا سابقا - ستتعرض لمسألة لا يمكن أن يحلها إلا المسبّب ، فسوف تلد بدون رجولة ، وهي مسألة عجيبة ، لذلك كان لا بد أن تفهم هي وأن تنطق : هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( من الآية 37 سورة آل عمران ) وكأن الحق ينبئها ضمنا بأن عليها أن تتذكّر أنها هي التي قالت هذه الكلمة ؛ لأن المستقبل سوف يأتي لك بأحداث تحتاج إلى تذكر هذا القول . وهي التي تذكرّ سيدنا زكريا عليه السّلام بهذه الحقيقة . ولنر دقّة إشارة القرآن إلى الموقع الذي ذكرت له مريم فيه تلك الحقيقة : هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ( من الآية 38 سورة آل عمران ) كأن ساعة سمع هذه المسألة قرّر أن يدعو اللّه بأمنيته في المحراب نفسه . وهل كان سيدنا زكريا لا يعرف تلك الحقيقة ؟ كان يعرفها ، ولكن هناك فرق بين حكم يكون في حاشية الشعور ، وبين حكم يكون في بؤرة الشعور . وقول مريم لزكريا : « هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » جعل القضية تنتقل من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور . هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ( من الآية 38 سورة آل عمران ) لماذا لم يدع ربّه من البداية ؟ . كان سيدنا زكريا سائرا مع الأسباب ورتابة الأسباب قد تذهل وتشغل عن المسبّب ، وعندما سمع من مريم : « يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » أراد أن يدخل من هذا الباب ، فدعا ربه ؛ وبشّره الحق بأنه سيأتي له بذرّية ، وتعجّب زكريا مرّة أخرى من هذا الأمر شارحا حالته : وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ ( من الآية 40 سورة آل عمران )