محمد متولي الشعراوي
3084
تفسير الشعراوى
وما دمت يا زكريا قد دعوت اللّه أن يهبك الذرّية وقفزت قضية رزق اللّه لمن يشاء من حاشية شعورك إلى بؤرة شعورك . فقد جاء أمر اللّه : كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ ( من الآية 9 سورة مريم ) إذن فلا بحث في الأسباب والمسببات . فهي إرادة اللّه . ويوضح الحق حيثيّات « إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » ويأتيك بالولد ؛ فيقول سبحانه : هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ( من الآية 9 سورة مريم ) وكل هذه مقدمات من مريم ومن سيدنا زكريا الكفيل لها ؛ ذلك أن سيدنا زكريا سوف يكون عنصرا شاهدا عندما يأتيها الولد من غير أب وتلد ، وهو كفيل لها ، وهو الذي سيتعرض لهذا الأمر . ولماذا كل هذا التمهيد ؟ ؛ لأن خرق الأسباب وخرق النواميس وخرق السنن إنما حدث في أمور أخرى غير العرض ، لكن عند مريم سيكون ذلك في العرض وهو أقدس شئ بالنسبة للمرأة ، لذلك لا بد من كل هذه التمهيدات . إذن ، هو أمر عجيب لكنه ليس بعجيب على اللّه . وها هو ذا قابيل يقول : « يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ » كأن عملية الغراب أظهرت لقابيل أنه لم يعرف شيئا يفعله الطائر الذي أمامه ، فها هي ذي مسألة يفعلها غراب ولا تفعلها أنت يا قابيل ، لقد امتلكت قدرة لتقتل بها أخاك ، لكنك عاجز أن تفعل مثل هذا الغراب . فقابيل لا يقولها - إذن - إلا بعد أن مرّ بمعنى نفسىّ شديد قاس على وجدانه . لقد قدر على أخيه وقتله وهو لم يعرف كيف يواريه ، بينما عرف الغراب كيف يوارى جثة غراب آخر . وهكذا أصبح قابيل من النادمين « فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ » . إن علينا أن ننتبه إلى الفارق بين « ندم » و « ندم » . وعلى سبيل المثال : هناك إنسان قد جرؤ على حدود اللّه وشرب الخمر بالنقود التي كان عليه أن يشترى بها طعام