محمد متولي الشعراوي
3064
تفسير الشعراوى
موسى والتي تحتمل أن يرقّ لها قلب واحد من أتباع موسى عليه السّلام فيقول لموسى : إنني معك . ولذلك جاء قول موسى : « فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ » . ومعنى الفاسقين - كما عرفنا - هم من خرجوا عن الإيمان ، كما تفسق الرطبة ؛ فالبلحة عندما ترطّب فإن قشرتها تتسع عن حجمها ؛ فتخرج الرطبة من قشرتها ؛ ويقال فسقت الرطبة ؛ فكأن الإيمان كالجلد والجلد كالقشرة . وهو كغلاف يحيط بالإنسان . وعندما يفسق الإنسان عن الإيمان فهو يخرج عن قانون الصيانة ، وكذلك كان فسق بني إسرائيل ؛ لذلك قال الحق : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 26 ] قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 26 ) فهل كان التحريم مدته أربعون عاما ؟ أو أنه قال : « فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ » وانتهى الأمر لأنهم تأبّوا على أن يدخلوها ؟ . ولذلك فكل الذين قالوا : « لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها » لم يعش منهم أحد ليدخل هذه الأرض . وبعد ذلك صدر الحكم الآتي : « أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ » فهل هذا القول هو استئناف للقول السابق فيكون ظرفا ل « محرمة » . أو هو حكم منفصل ؟ . تصح هذه ، وتصح تلك . والتيه هو كما نقول : فلان تاه أي سار على غير هدى ولا يعرف لنفسه مدخلا ولا مخرجا ، والواحد عندما يدخل في مجال متشعب المسالك ومتعرج الطرقات ، فهو لا يعرف كيفية الخروج منه ، هذا هو التيه . ولكن كم فرسخا هي مساحة التيه ؟ . حدّدها العلماء بستة فراسخ [ والفرسخ قدر ثلاثة أميال ] . كيف يتيهون في تلك المساحة الضيقة من الأرض ؟ لقد أراد اللّه ذلك ؛ لأنهم ساعة يمشون ويرهقون فينامون ويأتي عليهم الصباح ليجدوا أنفسهم عند النقطة التي بدأوا منها ، وكانوا يضعون العلامات لإيضاح الطريق ، لكنهم كل صباح كانوا يجدون العلامات قد انتقلت من مكانها . وظلّوا