محمد متولي الشعراوي

3065

تفسير الشعراوى

على هذا الوضع وفي هذا التيه إلى الأمد والوقت الذي حدده اللّه وهو أربعون سنة يتيهون في الأرض . وحين يؤدبّ اللّه عاصيا يحفظ له من القوت والرزق ما يبقى به حياته ولو كان كافرا ؛ لأنه سبحانه هو الذي استدعاهم إلى الوجود ، ولهذا لم يضنّ عليهم في التيه بما لم يضنّ به على الكافرين به سبحانه . إذن حفظ الحياة أمر ضروري . وعندما يرتكب إنسان ما ذنبا كبيرا في حق المجتمع فإننا نضعه في السجن ، ولكننا نطعمه ونسقيه ، وعندما يرتقى المجتمع الإنسانى ، فهو يوفّر للسّجين عملا يتناسب مع مواهبه ويحبس عنه حرية الحركة في المجتمع ، والسجين المذنب يظل في السجن ، ولكنه يأكل ويشرب وينام ويعمل ، فقط تختلف المسألة في النقطة المهمة في الحياة وهي أن يتحرك المتحرك وفق حريته ، فما بالنا بالحق الأعظم عندما سجنهم في التيه ؟ . لقد أطعمهم اللّه وسقاهم وأنزل عليهم المنّ والسّلوى . وقد يقول قائل : إن اللّه قد أنزل عليهم المنّ والسّلوى ليعيشوا كسالى وغرقى في التكبر والغرور . ونقول : لا . فذلك الإجراء الإلهى من ضمن حكمه البالغة أن يطيل عليهم الوقت . فلو أنه سبحانه وتعالى قد جعلهم يزرعون ويحرثون لا نشغلوا بأمور الحياة اليومية ، لكن الحق أراد أن يطيل عليهم الإحساس بالزمن . فالمسألة ليست طعاما وشرابا . ولكن هناك كرامة فوق الطعام وفوق الشراب . إننا نرى ذلك عندما نسمع عن اعتقالات لبعض الأفراد الذين أساءوا للمجتمع . وتسمح لهم السلطات بالطعام الذي يأتيهم من منازلهم . ولكنّ هؤلاء المعتقلين يشعرون بالضيق من تقييد الحركة . إذن أراد الحق لهم عقابا صارما في فترة التيه . ولذلك نجد بعضهم يحسب المسألة والزمن في فترة التيه ، فيقول الواحد منهم ما ذكره الحق : وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ( من الآية 142 من سورة الأعراف )