محمد متولي الشعراوي

3058

تفسير الشعراوى

كيف إذن يعلنون هذا التمرد على أمر الحق ؟ . وكيف علموا أن فيها قوما جبارين ؟ . ولنا أن ننتبه إلى أن الحق قد قال من قبل : وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ( من الآية 12 سورة المائدة ) فقد ذهب النقباء أولا وتجسسوا ونقبوا وعرفوا قصة هذه الأرض المقدسة ، وأن فيها جماعة من العمالقة الكنعانيين . وساعة رأوا هؤلاء القوم ، قالوا لأنفسهم : هل سنستطيع أن نقاوم هؤلاء الناس ؟ إن ذلك أمر لا يصدق ؛ لذلك لن ندخلها ما داموا فيها . إذن فقد تخاذلوا وارتدوا على أدبارهم . « قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ » . وساعة أن تسمع كلمة « جبّار » تجدها أمرا معنويا أخذ من المحسات ؛ فالجبارة هي النخلة التي لا تطولها يد الإنسان إذا أراد أن يجنى ثمارها . وعندما تكون ثمار النخلة في متناول يد الإنسان حين يجنى ثمارها فهي دانية القطوف ، أما التي لا تطولها يد الإنسان لحظة الجنى للثمار فهي جبّارة ؛ لذلك أخذ هذا المعنى ليعبر عن الذي لا يقهر فسمى جبارا ، وقد يكون الجبار مكرها ولكن على الإصلاح ، وفي بلادنا نطلق على من يصلح كسور العظام « المجبراتى » . أي أنه يجبر العظام على أن تعود إلى مكانها الطبيعي . وقد يتألم الإنسان من ذلك ، ولكن في هذا إصلاح لحياة الإنسان . و « الجبّار » اسم من أسماء اللّه ؛ لأنه سبحانه يقهر ولا يقهر . وقد يكرهنا سبحانه وتعالى حتى يصلحنا . ويختبرنا بالابتلاءات حتى يمحصنا وتستوى حياتنا . إذن ف « الجبار » صفة كمال في الحق لأنه يستعمل جبروته في الخير ويقهر الظالمين والمعاندين والمكابرين ، وذلك لمصلحة الأخيار الطيبين . وهو سبحانه وتعالى لا يقهر . فعندما يكون في صف جماعة فإن أحدا لا يغلبهم ، أما الجبار كصفة في الخلق فهي مذمومة ؛ لأن التجبر هنا بدون أصالة كالبناء الأجوف . فالمتجبر قد يصيبه قليل من الصداع فيرقد متوجعا . إننا نرى أمثلة لذلك في حياتنا ؛ نجد المتجبر يصاب بأزمة قلبية فيحمل على نقالة