محمد متولي الشعراوي
3057
تفسير الشعراوى
المقدسة بدون عقبات وبدون صراع وبدون قتال . والدليل على أن الكتابة تشريعية هو قوله الحق : « وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ » أي أنكم إن ارتددتم على أدباركم انقلبتم خاسرين . فإن أطعتم اللّه ودخلتم الأرض دون إدبار ، فستدخلون الأرض ، وإن لم تفعلوا فلن تدخلوها . إذن ليست كتابة الأرض هنا كونية ، ولكنها تشريعية . وقوله الحق : « وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ » يشرح لنا طبيعة مواجهة الخصم ؛ فالإنسان حين يواجه خصمه فهو يواجهه بوجهه . فإن فرّ الخصم من أمامه فهو يولى أدباره . والتولي على الأدبار يكون على لونين : لون هو الإدبار من أجل أن ينحرف الإنسان إلى جماعة وفئة لتشتد قوتهم ويقووا على هزيمة العدو أو يصنع مكيدة ؛ ليعيد مواجهة الخصم ، ولون آخر وهو الفرار وذلك مذموم ، ومن المعاصي الموبقات المهلكات . وفي ذلك يقول الحق سبحانه : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ( من الآية 16 سورة الأنفال ) فالارتداد على الأدبار ليس مذموما إن كان من أجل حيلة أو صنع كمين للعدو . وفي هذه الحالة لا بأس أن يرتد الإنسان ، أما خلاف ذلك فهو مذموم . وهل الارتداد على الأدبار رجوع بالظهر إلى الوراء مع الاحتفاظ بالوجه في مواجهة الخصم ؟ . أو هو التفات بالوجه ناحية الدبر وفرار من العدو ؟ . كلا الأمرين يصح . وقد جاء الأمر إلى بني إسرائيل بعدم الفرار ليدخلوا الأرض فماذا كان موقفهم ما دامت الكتابة لهذا الأمر تشريعية ؟ . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 22 ] قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ ( 22 )