محمد متولي الشعراوي
3034
تفسير الشعراوى
وقال سبحانه من قبل : فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ ( من الآية 14 سورة المائدة ) فمن اتبعوا اليعقوبية قالوا شيئا ، والنصرانية قالت شيئا ، والملكانية قالت شيئا ثالثا ؛ فجاء بالقمة : « لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ » . ويأتي قوله سبحانه : « قل » ، ردا عليهم : « فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً » أي من يمنع قدر اللّه أن ينزل بمن جعلتموه إلها « إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً » . لقد زعموا أن اللّه هو المسيح عيسى ابن مريم وفي هذا اجتراء على مقام الألوهية المنزهة عن التشبيه وعن الحلول في أي شئ . وفي هذا القول الكريم بلاغ لهؤلاء أن أحدا لا يستطيع أن يمنع إهلاك اللّه لعيسى وأمه وجميع من في الأرض . فهو الحق الملك الخالق للسموات والأرض . وما بينهما يخلق ما يشاء كما يريد . فإن كان قد خلق المسيح دون أب ؛ فقد جاءنا البلاغ من قبل بأنه سبحانه خلق آدم بدون أب ولا أم ، وخلق حواء دون أم ، جلت عظمته وقدرته لا يعجزه شئ . إن عيسى عليه السّلام من البشر قابل للفناء ككل البشر . « وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ » جاء الحق هنا بالسماء كنوع علوي والأرض كنوع سفلى ، وقوله : « يَخْلُقُ ما يَشاءُ » يرد على الشبهة بإيجاز دقيق : « يَخْلُقُ ما يَشاءُ » ؛ لأن الفتنة جاءت من ناحية أن عيسى عليه السّلام ميّز في طريقة خلقه بشئ لم يكن في عامة الناس ؛ فأوضح الحق : لا تظنوا أن الخلق الذي أخلقه يشترط علىّ أن تكون هناك ذكورة وأنوثة ولقاح ، هذا في العرف العام الذي يفترض وجود ذكورة وأنوثة ، وإلا لكان يجب أن تكون الفتنة قبل عيسى في آدم ؛ لأنه خلق من غير أب ولا أم . إذن فالذي يريد أن يفتتن بأنه من أم دون أب ، كان يجب أن يفتتن في آدم لأنه لا أب له ولا أم . ويوضح لهم : اللّه يخلق ما يشاء فلا يتحتم أو يلزم أن يكون من زوجين أو من ذكر فقط أو من أنثى فقط . إن ربنا سبحانه وتعالى له طلاقة القدرة في أن يخلق ما يشاء ، وقد أدار خلقه على