محمد متولي الشعراوي

3027

تفسير الشعراوى

ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ( من الآية 38 سورة الأنعام ) أي مما تختلف فيه أهواؤكم ، وسئل الإمام محمد عبده ، وهو في باريس : أنتم تقولون « ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ » فكم رغيفا في أردب الدقيق ؟ . فقال : انتظروا : واستدعى خبازا وسأله : كم رغيفا في أردب القمح ؟ . فقال له : كذا رغيف . فقالوا له : أنت تقول إنه في الكتاب . فقال لهم : الكتاب هو الذي قال لي : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( من الآية 43 سورة النحل ) إن قوله : « ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ » أي مما تختلف فيه الأهواء أو تفسد فيه حركة الحياة في الأرض . فربنا هو - سبحانه - جعل أناسا تتخصص في الموضوعات المختلفة . « قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ » يعنى : يا أهل الكتاب انتبهوا إلى أن هذه فرصتكم لنصفى مسألة العقيدة في الأرض وننهى الخلاف الذي بين الدينين السابقين ونرجع إلى دين عام للناس جميعا ، ولا تبقى في الأرض هذه العصبية حتى تتساند الحركات الإنسانية ولا تتعاند ، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ( من الآية 29 سورة الفتح ) انظر كيف يجمع الإسلام بين أمرين متناقضين : فلم يجئ الإسلام كي يطبع الإنسان ليكون شديدا ؛ لأن هناك مواقف شتى تتطلب الرحمة ، ولم يطبعه على الرحمة المطلقة لأن هناك مواقف تتطلب الشدة ، فلم يطبع الإنسان في قالب ، ولكنه جعل المؤمن ينفعل للحدث . ويقول الحق : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ ( من الآية 54 سورة المائدة )