محمد متولي الشعراوي
3008
تفسير الشعراوى
وقوله الحق : « فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ » . والنقض هو ضد الإبرام ؛ لأن الإبرام هو إحكام الحكم بالأدلة . والنقض هو حل عناصر القضية ، كأن العهد الموثق الذي أخذه اللّه عليهم قد نقضوه . ونحن نسمى العقيدة الإيمانية عقيدة ، لماذا ؟ ؛ لأنها مأخوذة من عقد الشئ بحيث لا يطفو ليناقش من جديد في الذهن . كذلك الميثاق إنه عهد مثبت ومؤكد . وعندما ينقضونه فهم يقومون بحله ، أي أنهم أخرجوا أنفسهم عن متطلبات ذلك العقد . وجاء اللعن لأنهم نقضوا الميثاق . « وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً » وهم عندما نقضوا المواثيق ، طبع اللّه على قلوبهم ؛ لأنه لم يطبع على قلوبهم بداية ؛ فقد كفروا أولا ، وبعد ذلك تركهم اللّه في غيهم وضلالهم وطبع على القلوب فما فيها من كفر لا يخرج ، والخارج عنها لا يدخل إليها . و « قاسية » تعنى صلبة . وفيها شدة . والصلابة مذمومة في القلوب وليست مذمومة في الدفاع عن الحق ؛ لأننا نقيس كل موجود على مهمته . فعندما يكون كل موجود على مهمته يكون كل الكون جميلا . مثال ذلك ؛ نحن لا نقول عن الخطاف ذمّا فيه إنه أعوج . فالخطّاف لا بد له من العوج ؛ لأن ذلك العوج مناسب لمهمته ، إذن فعوج الخطاف استقامة له . وكذلك القسوة غير مذمومة شريطة أن تكون في محلها ، أما إن جاءت في غير محلها فهي مذمومة . إن القلوب القاسية مذمومة ؛ لأن الحق يريد للقلوب أن تكون لينة : ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ( من الآية 23 سورة الزمر ) والقسوة مأخوذة من القسىّ وهو الصلب الشديد ، ونعرف أن الدنانير كانت تضرب من الذهب والدراهم تضرب من الفضة . وعندما يفحصها الصيرفي قد يخرج واحدا منها ويقول : هذا زيف أو زائف لأنه قد سمع رنينها ، أهي صلبة في الواقع أم لا ؟ . وعندما تكون صلبة يقال لها : دراهم قاسية . إنّ الذهب لين . والفضة لينة . فعندما نقول : إن هذا ذهب عيار أربعة وعشرين أي ذهب ليس به نسبة من المواد الأخرى التي تجعله قابلا للتشكيل ؛ لأنه عندما يكون ذهبا صافيا على إطلاقه فلن يستطيع الصائغ أن يصوغ منه الحلى ؛ لذلك يخلطه الصائغ بمعدن صلب ، حتى يعطيه المعدن درجة الصلابة التي تتيح له