محمد متولي الشعراوي
3007
تفسير الشعراوى
هنا يطلب اللّه من المؤمن أن يغفر لمن أصابه وأن يصبر . وما دام هناك غريم ؛ فالنفس تكون متعلقة بالانتقام ، وهذا موقف يحتاج إلى جرعة تأكيدية أكثر من الأولى ؛ فليس في الموقف الأول غريم واضح يطلب منه الانتقام ، أما وجود غريم فهو يحرك في النفس شهوة الانتقام ، ولذلك يؤكدها الحق سبحانه وتعالى : « إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ » . ويقول سبحانه في موقع آخر : ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ ( من الآية 19 سورة المائدة ) وعندما يقوم النحاة بإعراب « بشير » فهم يقولون : « إنها فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخرة منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد . إنه التفاف طويل ، ولا يوجد حرف زائد ، فالإنسان يقول : ما عندي مال . وهذا القائل قد يقصد أنه لا يملك إلا القليل من المال لا يعتد به . وعندما يقول الإنسان « ما عندي من مال » ف « من » هنا تعنى أنه لا يملك أي مال من بداية ما يقال له مال . ولذلك ف « من » هنا ليست زائدة ، ولكنها جاءت تعنى لمعنى . إذن « ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ » أي لم يأت لنا بداية من يقال له بشير . وها هو ذا قول الحق : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ( من الآية 159 سورة آل عمران ) وقد يحسب البعض أن « ما » هنا حرف زائد ، ولكنا نقول : ما الأصل في الاشتقاق ؟ . إن الأصل الذي نشتق منه هو المصدر . ومرة يأتي المصدر ويراد به الفعل ، كقول القائل : « ضربا زيدا » أي « اضرب زيدا » . ومجىء المصدر هنا قول مقصود به الفعل ، وكذلك قوله الحق : « فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ » . ما دام النقض مصدرا فمن الممكن أن يقوم مقام الفعل . وما دام المصدر قد قام مقام الفعل فمن الجائز أن يأتي فعل آخر ، فيصبح معنى القول : فبما نقضوا ميثاقهم لعنّاهم . إذن « ما » تدل هنا على أن المصدر قد جاء نيابة عن فعل . وبقيت « ما » لتدل على أن المصدر من الفعل المحذوف ، أو أن « ما » جاءت استفهامية للتعجيب . . أي فبأي نقض من ألوان وصور نقضهم للعهد لعناهم ؟ وذلك لكثرة ما نقضوا من العهود على صور وألوان شتى من النقض للعهد .