محمد متولي الشعراوي

2625

تفسير الشعراوى

كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ( من الآية 32 سورة الفرقان ) وهكذا كان القرآن ينزل منجما ، على فترات ، ويسمع الصحابة عددا من آيات القرآن . ويحفظونها ويكتبها كتّاب الوحي ، وبعد ذلك تأتى معجزة أخرى من معجزات القرآن مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فتنزل سورة كاملة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبعد أن يسرى عنه يقول للكتبة : اكتبوا هذه . ويرتب رسول اللّه الآيات بمواقعها من السورة . ثم يقرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم السورة في الصلاة ويسمع المصلون الترتيل الذي تكون فيه كل آية في موقعها ، وهذا دليل على أن المسألة مدروسة دراسة دقيقة ، وأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين يحكى إنما يحكى صدقا . وإلا فقولوا لي : كيف ينزل الوحي على رسول اللّه بسورة بأكملها ويمليها للكتبة ، ثم يقرؤها في الصلاة كما نزلت وكما كتبها أصحابه ، كيف يحدث ذلك إن لم يكن ما نزل عليه صدقا كاملا من عند اللّه ؟ ونحن قد نجد إنسانا يتكلم لمدة ربع ساعة ، لكن لو قلنا له : أعد ما تكلمت به فلن يعيد أبدا الكلمات نفسها ، لكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعيد الآيات كما نزلت . مما يدل على أنه يقرأ كتاب اللّه المحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إنه تنزيل من حكيم حميد . ولذلك يقول الحق : وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ( 33 ) ( سورة الفرقان ) أي لا يأتونك بحادثة تحدث إلا جئناك بالحق فيها . إذن لم يكن للقرآن أن ينزل منجما إلا ليثبت فؤاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من تتابع الهزات التي يتعرض لها ، وأراد اللّه أن ينشر اتصال السماء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الثلاثة والعشرين عاما التي استغرقتها الرسالة . والترتيل هو التنجيم والتفريق الذي ينزل به القرآن فيقرأه الرسول في الصلاة مثلما نزل عليه قبل ذلك دون تحريف أو تبديل ، والحق يقول :