محمد متولي الشعراوي

2965

تفسير الشعراوى

يدق جرس الامتحان بخمس دقائق يأتي له واحد من زملائه ويقول له : هل ذاكرت الموضوع الفلاني . فيقول الطالب : لا لم أستذكره . فيقول الصاحب : هذا الموضوع سيأتي منه سؤال في الامتحان . فيخطف الطالب كتابا ويقرأ فيه هذا الموضوع لمرة واحدة . هذا الطالب في هذه اللحظة لا يتذكر ماذا سيأكل على الغداء هذا اليوم ، أو من سيقابل . بل يعرف أنه بصدد أمر فرصته ضيقة ، ويركز كل ذهنه ليستقبل ما يقرأه . وفي لحظة واحدة يحفظ هذا الموضوع . وإذا جاء الامتحان ووجد السؤال فهو يجيب عليه بأدق التفاصيل . وقد نجد طالبا آخر جلس لأيام يحاول استذكار هذا الدرس بلا طائل . إذن فالذهن يلتقط مرة واحدة ، شريطة ألا يستقبل الإنسان ما يقرأه أو يسمعه من معلومات والذهن مشغول بأشياء أخرى . والدليل على ذلك : أن الإنسان قد يسمع القصيدة مرة واحدة أو يسمع الخطبة مرة واحدة فيحفظ من القصيدة أكثر من بيت ، أو يحفظ من الخطبة أكثر من مقطع ؛ لأن ذهن الإنسان في تلك اللحظة كان خاليا فالتقط الأبيات التي حفظها ، وكذلك الخطبة ، أما بقية أجزاء القصيدة أو الخطبة فقد يكون الذهن شرد إلى أشياء أخرى . ولذلك يحاول الإنسان أن يكرر الاستماع والإصغاء والقراءة أكثر من مرة ليهيىء ويعد بؤرة الشعور ، فيحفظ الإنسان ما يريد . إذن فالذهن يلتقط مرة واحدة ، أما الذاكرة فهي تتذكر أي تستحضر المعاني التي قد تختفى في الحافظة ، ولا شئ يضيع في الحافظة أبدا ، بحيث إذا جاء الاستدعاء طفت المعاني على السطح . كأن انطباعات الإنسان في نعم اللّه لا تنسى أبدا . وهي موجودة عند الإنسان ، ولكنها تريد من الإنسان أن يستدعيها من الحافظة ويطلبها . ولنر دقة الأداء القرآني : « وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ » سبحانه يقول هنا « نعمة » مع أن نعم اللّه كثيرة ، ولكن اللّه قد آثر أن يأتي بالمفرد ولم يأت بالجمع . وذلك ليبين للإنسان أن أية نعمة في أية زاوية من حياة الإنسان تستحق أن يذكرها الإنسان ؛ فنعم اللّه كثيرة ، ولكن ليتذكر الإنسان ولو نعمة واحدة هي نعمة الإيجاد من عدم ، أو نعمة البصر ، أو السمع . وكل نعمة من هذه النعم تستحق من الإنسان أن يتذكرها دائما ، ولا تطرد نعمة نعمة أخرى ، فما بالنا إذا كانت النعم كثيرة ؟