محمد متولي الشعراوي
2966
تفسير الشعراوى
ولو تمعن الإنسان في كل نعمة لاحتاجت إلى أن يتذكرها دائما ، أو أن النعمة اسم للجنس كله ؛ لأن المفرد يطلق على كل الجنس ، مثل الإنسان فإنها تطلق على كل فرد من أفراده مثل محمد وعلى وخالد . وكلمة « النعمة » قد تنسب إلى سببها كنعمة سببها مروءة واحد من البشر ، وهي محدودة بمقدار الأثر الذي أحدثته . لكن نحن هنا أمام نعمة المسبب وهو اللّه ، ولا بد أن تناسب نعمة اللّه جلال وجمال عظمته وعطائه . « وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ » و « واثق » تقتضى أمرين : فالإنسان طرف الاحتياج والفقر والأخذ ، والرب صاحب الفضل والعطاء والغنى ، إنه هو الربوبية وأنت العبودية ، وهو الحق القائل : وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ( من الآية 40 سورة البقرة ) إذن ف « واثقكم » تعنى التأكيد من طرفين ؛ لأن « واثق » على وزن « فاعل » ، ولا بد في « فاعل » أن تكون من اثنين . ومثال ذلك « شارك » تقولها لاثنين أو أكثر ؛ فنقول : « شارك زيد عمرا » ؛ وكذلك « قاتل زيد عمرا » . وحين يقول الحق : إنه « واثق عباده » أي أنه شاركهم في هذا الميثاق وقبله منهم . لكن أي ميثاق هذا ؟ ونحن نعرف الميثاق الأول الذي هو ميثاق الذر : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 ) ( سورة الأعراف ) وهو ميثاق الفطرة قبل أن توجد النفس وشهواتها . وبعد ذلك هناك ميثاق العقل الذي نظر به الإنسان إلى الوجود واستطاع أن يخرج من تلك الرؤية بأن الوجود محكم ومنظم وواسع ، ولا بد لهذا الوجود من واجد وهو اللّه . وبعد ذلك ميثاق الإيمان باللّه ، فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حينما عرض منهج الإسلام آمن به بعض