محمد متولي الشعراوي

2621

تفسير الشعراوى

أي أن النمرود سمع قولا عجيبا وليس عنده من الذكاء ما يحتاط به إلى دفعه ، وكذلك الرجل الذي صنع الجريمة ثم رمى بها غيره احتاج إلى طاقة تتحمل هذا ، مما يدل على أن الفطرة السليمة كارهة لفعل القبيح . فإذا ما فعل الإنسان ذنبا فقد حمل بهتانا ، وإذا ما عدّى ذلك إلى أن يحمله إلى برئ ، فذلك يعنى أن الأمر يحتاج إلى طاقة أخرى . إذن فقوله الحق : « فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً » أي أنه احتمل أمرا عجيبا يبهت السامع ويتعجب كيف حدث ذلك . ويحتمل من يفعل ذلك الإثم أيضا . والإثم - كما عرفنا - هو السيئة المتعمّدة . ويوضح الحق سبحانه وتعالى هذه القضية : إن اللّه سبحانه وتعالى يحوطك يا محمد بعنايته وبرعايته وبفضله ، وإن حاول بعض من قليلي الإيمان أن يخرجوك عن هذه المسألة ، وأن يزينوا لك أن تبرىء مذنبا لتجرم آخر بريئا وإن كان المذنب مسلما وإن كان البرىء غير مسلم ، واللّه لم يرسل محمدا ليحكم بين المؤمنين فقط ، ولكن صدر هذه الآية يوضح لنا أن اللّه أرسل رسوله ليحكم بالحق : « لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ » أي ليحكم بين الناس على إطلاقهم . فإياك حين تحكم أن تقول : هذا مسلم وذلك كافر . أو تقول : هذا مسلم وذلك من أهل الكتاب ، بل كل الناس أمام قضايا الحق سواء . ولذلك أخذ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم تلك الجرعة الإيمانية التي جاءت بها حادثة من الحوادث ليقول بعد ذلك في قصة المخزومية حينما سرقت وأراد أن يقيم عليها الحد ، وكلّمه حبيبه أسامة بن زيد في أن يرفع عنها الحد ، فقال رسول اللّه : عن عائشة رضى اللّه عنها أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا : من يكلم فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ فقالوا : ومن يجرؤ عليه إلا أسامة حب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكلمه أسامة ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أتشفع في حد من حدود اللّه ؟ ! ثم قام فاختطب فقال : « أيها الناس : إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإن سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وأيم اللّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها » « 1 » .

--> ( 1 ) رواه مسلم .