محمد متولي الشعراوي
2926
تفسير الشعراوى
لقد رضى الحق الإسلام دينا للمسلمين . وما دام رضى سبحانه الإسلام منهجا ، فإياكم أن يرتفع رأس ليقول : لنستدرك على اللّه ؛ لأن اللّه قال : « أكملت » فلا نقص . وقال : « أتممت » فلا زيادة . وعندما يأتي من يقول : إن التشريع الإسلامي لا يناسب العصر . نرد : إن الإسلام يناسب كل عصر ، وإياك أن تستدرك على اللّه ؛ لأنك بمثل هذا القول تريد أن تقول : إن اللّه قد غفل عن كذا وأريد أن أصوب للّه ، وسبحانه قال : « أكملت » فلا تزيد ، وقال : « أتممت » فلا استدراك ، وقال : « ورضيت » فمن خالف ذلك فقد غلّب رضاه على رضا ربه . إن الخالق سبحانه هو أعلم بخلقه تمام العلم ، ويعلم جل وعلا أن الخلق ذو أغيار ، وقد تطرأ عليهم ظروف تجعل تطبيق المنهج بحذافيره عسيرا عليهم أو متعذرا فلا يترك لهم أن يترخصواهم ، بل هو الذي يرخص ، فلا يقولن أحد : إن هذه مسألة ليست في طاقتنا . فساعة علم الحق أن هناك أمرا ليس في طاقة المسلم فقد خففه من البداية . وما دمنا ذوى أغيار ، وصاحب الأغيار ينتقل مرة من قوة إلى ضعف ، ومن وجود إلى عدم ، ومن عزة إلى ذلة ؛ لذلك قدر سبحانه أن يكون من المؤمنين بهذا المنهج الكامل من لا يستطيع القيام لمرض أو مخمصة ، فرخص لنا سبحانه وتعالى : « فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » . إذن فالحق قد ذكر أن شيئا من الأغيار قد يطرأ على النفس البشرية ، وما دام استبقاء الحياة يتطلب القوت ، والإنسان قد يمر بمخمصة وهي المجاعة التي تسبب الضمور في البطن ، هنا يرخص الحق للجائع في مخمصة أن يأكل الميتة أو ما في حكمها بشرط الاضطرار لاستبقاء الحياة ، فلا يقول واحد على سبيل المثال : أنا مضطر لأن أتعامل مع البنك بالربا لأنى أريد أن أتاجر في مائة ألف جنيه وليس معي إلا ألف جنيه . وهذا ما هو حادث في كل الناس . هنا أقول : لا . عليك بالتجارة في الألف التي تملكها ولا تقل أنا مضطر للتعامل في الربا . فالمضطر هو الذي يعيش في مجاعة وإن لم يفعل ذلك يموت أو يموت من يعول . وقد رخص الشرع للإنسان الذي لا يملك مالا أن يقترض من المرابى إن لم يجد من يقرضه ليشترى دواء أو طعاما أو شيئا يضطر إليه لنفسه أو لمن يعول . والإثم هنا يكون على المرابى ، لا على المقترض لأنه مضطر .